
حديث مدير عام الإدارة العامة للجنسية ووثائق السفر الذي أدلى به إلى صحيفة “الوطن” في السابع من يناير الجاري، حديث مليء بالهموم والمآسي! فعلى الرغم من إعلان المدير العام عن أنه قد تم تجنيس 17 ألفاً و569 من زوجات الكويتيين للفترة ما بين عام 1991 وحتى نهاية 2003، إلا أن تفاصيل اللقاء مع مدير الإدارة العامة للجنسية لا توحي بأن هنالك أملاً في طي ملف المظلومين والمتضررين من حجب الجنسية! خصوصاً الأمهات الأرامل أو المطلقات وأبناءهن الذين أصبحوا يقفون على عتبات الرجولة دون أن يحملوا هويات تمكنهم من ممارسة حياتهم بالشكل الطبيعي!
لقاء “الوطن” مع مدير عام الجنسية ووثائق السفر تخللته اتصالات كان أغلبها لسيدات كويتيات كن متزوجات من غير كويتيين ولديهن أبناء وبنات لا يعرفون وطناً غير الكويت، هؤلاء جاؤوا كأكثر الحالات مأساوية، فالأبناء أصبحوا على مشارف الحياة، تربوا وتعلموا وعاشوا على أرض الكويت! نال بعضهم صفة معاملة الكويتي الصادرة عن وزارة الداخلية، وهي صفة تؤهلهم لنيل جوازات سفر وبطاقات مدنية حتى بلوغهم السن القانونية! هؤلاء أصبحوا في منتصف الطريق، فلا هم تابعون لآبائهم لأسباب تتعلق إما بطلاق بائن أو بوفاة، ولا هم يعتبرون جزءاً من هوية أمهاتهم الكويتيات!
قضية التجنيس في الكويت بشكل عام قضية حساسة، تداخلت فيها عوامل كثيرة أدت إلى ظلم للبعض في مقابل إسراف في العطاء للبعض الآخر، دون أن يحكم ذلك مقياس واحد أو معيار ثابت! بل لقد انتقلت تراكمات مشكلة المتجنسين أو من يطلق عليهم أصحاب الجنسية فئة ثانية، لتلتقي الآن مع مشكلة غير محددي الجنسية! فعلى الرغم من إعلان مدير عام الجنسية والجوازات عن تجنيس 1549 من أبناء الأرامل والمطلقات، إلا أن ذلك لن يخدم الأرامل والمطلقات من المتجنسين أي حاملي الجنسية من الفئة الثانية!
الفئة المتجنسة من الكويتيين تشكل ٪30 من السكان أو أكثر وتتمتع بحقوق كثيرة باستثناء الحقوق السياسية! لكنها الآن تقف في مواجهة مشكلة جديدة ستزداد بروزاً مع مرور الوقت، تتلخص في حجب القانون الكويتي الجنسية عن أبناء الأرملة أو المطلقة الحاملة للجنسية الثانية! فإذا ما أدركنا أن عدد المتجنسين يفوق المئتي ألف مواطن نستطيع أن نتصور أبعاد المشكلة مستقبلياً وإسقاطاتها النفسية على الواقعين تحتها وانعكاسات ذلك على المجتمع بشكل عام!
في صيف 1994 أعلنت الحكومة الكويتية، وبعد موافقة مجلس الأمة، عن قانون ينص على أن كل شخص ولد من أب كويتي، بغض النظر عن مادة جنسيته وأصوله، هو كويتي بالتأسيس، ويحق له الحصول على الحقوق السياسية من انتخاب وترشيح أسوة ببقية الكويتيين! وهو بلا شك قانون يأتي في الطريق الصحيح نحو طي صفحة التمييز، والتفرقة، التي سادت المجتمع الكويتي، لكنه يبقى قانوناً ناقصاً ما لم تنل المرأة الكويتية نصيبها من تلك المصالحة السياسية والاجتماعية! وخاصة المطلقات والأرامل من الكويتيات اللاتي اقترن بغير كويتيين! وحجبت عن أبنائهن الجنسية أو الحق في الهوية بسبب تمتع أمهاتهن بالجنسية الثانية!
موضوع التجنيس والجنسية، وشروط التجنيس في الكويت بشكل عام يشكل عقبة تحول دون دخول الكويت مرتع الأمم المتقدمة والمتحضرة والمساهمة في إعلاء وحماية مبادئ الحقوق البشرية!
وهو موضوع يتطلب فهماً عاقلاً، وتفهما ناضجاً لشروط التعايش السلمي، والمثمر داخل إطار المجتمع الواحد، فنحن لا نزال نشكل أقلية بشرية مقارنة بمساحتنا الجغرافية! ومن بين هؤلاء الأبناء حائرو الهوية تختبئ كنوز فيها الكثير من الثراء لو نحن أمعنا التبصر والتعقل!
ولنتذكر دائماً أن صلاح الدين قاهر الغزاة ومحرر بيت المقدس خرج من أقلية كردية عاشت ضمن أكثرية عربية مسلمة سادت في حقبة من التاريخ.
