
بالرغم من كل ما تسببوا به من تشويه لسمعة الكويت، فإن قضيتي البدون وجريمة الاتجار بالبشر بقيتا عالقتين في صخب وصراع المناقصات السياسية وتحالفات الربح السياسي والمالي، ومتجاوزتين بذلك أبسط قواعد الحس الإنساني السليم والسوي.
ثم جاءت أزمة كورونا لتكشف المستور وتلقي بكرة النار المشتعلة في وجه الجميع، سواء كان وجه المستخدمين لجيوش العمالة المخالفة أو في وجه أباطرة تجارة البشر.
كلتا القضيتين، البدون وتجارة البشر، قضيتان واضحتا المعالم، كان بإمكان الدولة معالجتهما في مكامنهما وقبل أن يستفحل أثرهما، لكن الطفيليات التي طالما تغذت على هاتين القضيتين، أبقت عليهما ساخنتين لأهداف وأغراض متشعبة يعلمها الجميع ولا متسع هنا لذكرها!
الأرقام اليوم تتحدث عن كارثة تجارة البشر التي طالما اختبأت تحت رماد الواسطة والتكسبات الانتخابية وحسابات أخرى، فهنالك ما يقارب ربع مليون ضحية أصبحوا في العراء بعد أن تركهم أصحاب الشركات الوهمية يهيمون في الشوارع ويلتقطون الرزق فيها، والأخبار التي تتداولها منصات التواصل الاجتماعي والتي قد يكون في بعضها جانب كبير من الصحة تشير إلى بعض الأسماء التي قد تكون متهمة في جريمة الاتجار بالبشر.
لطالما كانت تجارة الإقامات مادة تناولتها الصحافة وكتب فيها من كتب، لكنها بقيت على ما يبدو تجارة النخبة، والأوزة الذهبية التي تدر ذهباً وعسلاً، فبقي أباطرتها بمعزل عن سلطة القانون والعدالة، ووازع الإنسانية والرحمة، لكنها اليوم وبفعل كورونا خرجت من تحت رماد المجاملات السياسية وأصبحت أكبر من أن تحتويها واسطات الجهات الحكومية المعتادة، بعد أن تداول الناس فضائح تجار الإقامات بالأسماء وبالأرقام وأصبح الحديث اليوم عن ملايين الدنانير التي حصل عليها هؤلاء التجار جراء تجديد أو تحويل إقامات ضحاياهم، وبتنا نسمع اليوم عن إحالات إلى النيابة لرتب في الداخلية أجرمت بحق وطنها وبحق آلاف المساكين الذين تم استغلال عرقهم بالتزوير وبمخالفة قوانين العمل، وتفاصيل أخرى كثيرة مما يفتح اليوم جبهة مباشرة بين الهيئة العامة لمكافحة الفساد بصفتها الرقابية وبين شبكة الاتجار بالبشر.
لقد فرض اليوم علينا فيروس كورونا إجراءات استثنائية، بعض من تلك الإجراءات يبدو مجدياً ليس لزمن كورونا فقط وإنما لكل الأزمنة، فقد تتراجع مستقبلاً وتيرة الإجراءات الصحية الاستثنائية بعد أن يهدأ غبار الوباء وتعود معه الحياة إلى طبيعة مسارها ووتيرتها، لكن هنالك إجراءات أثارها الفيروس لكنه لم يسببها، وتأتي على قمة هرم هذه الإجراءات مسألة تجارة الإقامات التي كشف الفيروس مستورها، وجعل الدولة بكل أجهزتها تضرب أخماساً بأسداس لكيفية التعامل مع آلاف العمالة الوافدة، ومئات الشركات الوهمية، وخدعة الحيازات الزراعية التي تبين أن أغلبها كان يستخدم كملاذات إيواء لهؤلاء المظلومين.
التعامل مع ملف تجارة الإقامات يأتي اليوم كردة فعل على المأزق الذي شكله عدم قانونية إقاماتهم ومنعكساً بذلك على الإجراءات المتبعة لمواجهة كورونا، وكل ما نطمح له أن يخرج هذا الملف الخطير من خانة رد الفعل، إلى الفعل نفسه، لعلنا بذلك نحفظ لهؤلاء كرامتهم ونعاقب من أساء لهم وللكويت.
