
تدور المعركة الانتخابية.. ويتزاور الناخبون.. تُطرح البرامج.. وتناقش أمور الوطن.. ونصف المجتمع قابع داخل أسوار المنازل.
يدور الحديث عن معركة الحقوق السياسية للمرأة.. تماماً كما كان الحديث يدور في الخمسينيات أو قبل.. عن حق المرأة في التعليم والعمل. فبالرغم من الشوط الطويل الذي قطعته المرأة في هذا الوطن سواء في مجال التعليم أو العمل.. والتي أثبتت فيه المرأة كفاءتها وجدارتها.. وأنجزت فيه من العمل ما لا يقل عن إنجاز الرجل.. وإنتاجيته.. إلا أن الكلام ما زال يقال ويعاد عن حقها في الحرية السياسية والاجتماعية أسوة بالرجل.. وما زالت أصوات المتشككين تعلو محذرة مما نالته نساء الغرب من محنة الأخلاق وضلال الخروج عن نطاق المنزل والأسرة إلى ميادين عمل لا يقرها العدل.. ولا التشريع.
إن الطرح النظري الصحيح لحقوق المرأة.. سياسية كانت أو اجتماعية.. عادة ما يتعارض مع ظروف كثيرة.. وممارسات مختلفة لعادات وتقاليد اجتماعية ولتفسيرات خاطئة لتعليمات الدين الإسلامي.
وقضية المرأة سواء كانت للحصول على حقوق سياسية.. أو اجتماعية في إحدى القضايا والمشاكل الرئيسية التي تعاني منها المجتمعات المتخلفة عموماً ومجتمعات العالم الثالث. وهي مجتمعات تعيش مشاكل تخلف في كافة المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية.. ولا نستطيع أن نتفهم التخلف في إدراك حقوق المرأة في عالمنا العربي.. بمعزل عن التخلف في استيعاب وإدراك حقوق الأفراد إجمالاً في الوطن العربي.. فليس في مجتمعاتنا العربية قدر كاف من الحقوق لا للرجل.. ولا للمرأة على حد سواء.. فكلاهما يخضع لذات المعاناة.. وإن كانت هناك بعض الاختلافات الظاهرية والتي اكتسبها الرجل نتيجة ظروف اجتماعية.. ودينية لذلك فإن كلاهما.. الرجل والمرأة.. بحاجة إلى جهود طويلة ومكثفة.. للقضاء على تراكمات اجتماعية وتاريخية قبل تحقيق نجاح يذكر للتحكم والإسهام في الحياة السياسية في وطننا العربي.. ولا يتم ذلك إلا بتحرر الإنسان والمجتمع ككل من كافة أشكال الاضطهاد والتمييز.. وهي مهمة تتطلب جهود الطرفين معاً.. من أجل خلق مجتمع متحرر وديمقراطي.
لقد ساهمت المرأة إلى حد كبير في مجتمعاتنا العربية.. في تنمية وترسيخ صورة المرأة الموؤدة أو التي تستحق الوأد في أذهان الرجال.. فبجولة سريعة في محاضر الأحوال الشخصية.. وبتصفح ملفات القضايا التي كان الحكم فيها مبنياً على قوانين الأحوال الشخصية.. نجد أنها مجحفة لأبسط الحقوق الاجتماعية.. ومع ذلك فهي تستند في بقائها إلى تقبل شريحة كبيرة من النساء لها.. والاعتراف بها وإعطائها مزيداً من الشرعية بدلاً من الاحتجاج عليها فبالرغم من أن أغلب تلك القوانين لا تستند في قيامها ولا في بقائها إلى المبادئ الإسلامية والتي يتخذ منها فريق كبير من معارضي حقوق المرأة.. ذريعة لمحاربة أي مطالبة بمشاركة المرأة في عملية الإنتاج.. والبناء الاجتماعي.. والإسهام السياسي.. إلا أننا لم نشهد بعد حركات احتجاج منظمة ضد تلك الانتهاكات الاجتماعية.. والتي تتضمنها أحكام قوانين الأحوال الشخصية.
لا نستطيع تجاهل نظرة مجتمعاتنا بصورة عامة للمرأة.. والتي اتسمت دوماً بالتحيز للرجل.. والتخلف في فهم واجبات المرأة وإدراك حقوقها.. والتي كانت وإلى زمن غير بعيد.. عبارة عن واجبات فقط.. وحقوق يجود بها مجتمع الرجال.. والتي بسببها عانت المرأة ما عانت من أمية وجهل وتمييز في مجتمع الأسرة. ونظراً لكوننا مجتمعات قائمة على مؤسسات عشائرية وقبلية.. فقد استمرت المطالبة بحقوق المرأة بالغة التدني.. يشوبها الخوف من العار ومن سخرية الآخرين.. وانبرى الكثيرون يهددون بما سيؤول إليه حال الأسرة والمجتمع من تصدع وانهيار إذا ما خاضت المرأة معترك الحياة خارج إطار الأسرة.. والذي سيدفع الرجل والمرأة على حد سواء ثمنه باهظاً.. إذا ما اندفعت هي في الطريق الشائك الوعر.. نحو تحقيق ما نتصوره حقوقاً.. إلى أن أصبح لقب المرأة المسترجلة ملتصقاً بكل من تنادي بأدنى قدر من تلك الحقوق.
واقع المرأة في هذا الوطن لا يختلف كثيراً عن واقعها في سائر البلدان العربية.. فالمهام الكثيرة والتي أصبحت منوطة بالمرأة الكويتية في أعقاب الثورة النفطية.. تلك المهام التي أخلت بميزان العدالة بين الواجبات والحقوق.. والتي كثيراً ما تتعدى الدور الذي تقوم به قريناتها في دول أخرى.. فهي مسؤولة عن تربية الأبناء.. ومتابعة تعليمهم.. والإشراف على احتياجات المنزل.. إضافة إلى عملها خارج المنزل.. أي أننا نستطيع أن نقول وبلا تمييز أنها أصبحت نقوم بدور الأب والأم في الأسرة فمنذ خرجت المرأة للعمل في الكويت.. ألقى الرجل على كاهلها مهام كثيرة كانت إلى ما قبل عقدين من الزمن.. من واجبات الرجل الأساسية.. إلا أن المجتمع في هذا الوطن.. والذي نجح في أن يتصور ويتقبل المرأة التي تماسكت وهي تواجه الأحداث.. تتألم وتتحمل عنف وقسوة الحياة.. تنتصر وتستشهد في سبيل الوطن.. عجز أن يتصور المرأة ذاتها ككيان خاص له من الحقوق بقدر ما أدى من الواجبات.
لعلّ ما تطمح له المرأة.. للحفاظ على كرامتها الفعلية ليس إلا.. ما تطمح له هو بداية حقيقية.. بداية تضمن قدراً أكبر من النتائج السليمة والسريعة أيضاً.. بداية تحقق لها من التحرر ما حققه المضطهدون اجتماعياً وسياسياً من قبل.. كالعبيد.. والعمال والفلاحين.. حيث كان أسلوبهم الوحيد في التحرر من التبعية والاضطهاد هو في تنظيم الجهود ضمن إطار نقابات تعمل على حماية حقوقهم الاجتماعية أولاً.. بمعنى أن تكون المرأة إنساناً أولاً تشارك الرجل في كل ما كفلته مبادئ حقوق الإنسان للبشرية بوجه عام.. وما يتبع ذلك من تطبيق لحقوقها السياسية.
إن هذا الوطن الذي اجتاز المحنة التي ألمت به بجهود الرجل والمرأة معاً.. يواجه الكثير من المشاكل سواء ما أورثه الاحتلال.. أو ما ساهمت أيامه البغيضة في كشفه.. تلك المشاكل لا يمكن أن تحل طالما بقي نصف عقل المجتمع عاجزاً ومكبلاً.. ونصف الأيدي التي عملت.. والتي هتفت في وجه المعتدي.. مغلولة إلى الصدور.
