الأرشيف

بلقيس.. وحق الولاية

[جريدة القبس 16/3/1998]

الندوة التي دعت إليها رابطة كلية العلوم الإدارية بجامعة الكويت، حملت، وكالعادة، ما حملت من تناقضات أصحاب الإسلام السياسي، وهي تناقضات أصبحت تنعكس على روح الحوار والأداء لهؤلاء!!
الندوة جاءت بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، وقوامها مجموعة من الأساتذة الأفاضل، في حوار دار حول حقوق المرأة السياسية خاصة في ظل ردود الفعل التي أحدثتها فتوى وزارة الأوقاف بشأن حق المرأة في الولاية، وما يتبعه من حقوق في الانتخاب والترشيح!!
وكالعادة، وعندما يكون الحديث في قضايا تخص المرأة بالتحديد، فإن شيوخ الإسلام السياسي يعبرون عن ذلك التناقض الكامن في توجهاتهم وآرائهم بصورة كثيراً ما تدعو إلى الأسف والأسى لما وصلت إليه روح الحوار وأهدافه في هذا الوطن!!
فعلى الرغم من الدعوة التي أعلنها الدكتور عبدالرزاق الشايجي من ضرورة التجرد عند الحديث عن قضايا جدلية تعددت فيها الآراء، إلا أنه يقع في ما حذر منه!!
فالدكتور الشايجي يدعو إلى الفصل بين الولاية العامة في الإسلام.. والتي تتعلق بسن القوانين والأحكام، وهي لا تحق للمرأة!! وبين الولاية الخاصة، والتي هي حق التصرف في الشؤون الخاصة، والتي هي حق للمرأة كما الرجل!!
وإذا كان الدكتور الشايجي قد استقى ذلك التحليل من الإسلام، وذلك من خلال ذكره لحديث الرسول c حين قال: “لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة” فإننا ومن خلال الإسلام أيضاً ندحض (رغبة) الدكتور الشايجي المكبوتة في عزل المرأة عن أي مساهمة عملية أو علمية في المجتمع!!
فنقول: إن الإسلام قد أعطى للمرأة كفاحها النضالي في الإسلام حين سقطت حقوقاً سياسية لم يحصل عليها الشايجي نفسه وحتى الآن!! فلقد كان للمرأة في الإسلام كفاحها العقائدي، فاشتركت في الهجرة إلى الحبشة، ثم إلى يثرب فيما بعد، كما حضرت المرأة المسلمة بيعة العقبة الأولى والثانية!! كذلك كان للمرأة كفاحها النضالي في الإسلام حين سقطت شهيدة في سبيل الإسلام ونصرته”فتوجت سمية موكب شهداء الدعوة الإسلامية!!
أما حجة الدكتور الشايجي، واستناده إلى حديث الرسول c الذي قال فيه “لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة”، فإن ذلك الحديث لم يأت كتشريع وإنما كان حديثاً في مناسبة دعت إليه، وذلك حين أخبر الناس الرسول c بأن ملك الروم قد مات، فخلفته على عرشه ابنته، فكان أن قال الرسول ذلك القول!! والذي يرى فيه الكثير من فقهاء الدين المعتمدين، حديثاً يدخل تحت بند الأخلاق بينما حسم القرآن الكريم، كتاب الله والذي يحمل تعاليمه، وأوامره، ونواهيه، حسم هذا الكتاب الكريم قضية حق الولاية للمرأة من خلال قصة ملكة سبأ، والتي لم يأت في القرآن ما يشير إلى استنكار أو رفض لولايتها لقومها!!
بل على العكس من ذلك تماماً. فلقد أكد القرآن ولايتها، ونوه بأسلوبها في إدارة شؤون قومها، حين سألتهم رأيهم F ﵟقَالَتۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَؤُاْ أَفۡتُونـِي فِـيٓ أَمۡرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمۡراً حَتَّىٰ تَشۡهَدُونِ ٣٢ﵞ ﵝالنَّمۡل : ﵒﵓﵜ F. فكان في استجابة قومها لها ما يدل على حكمتها السياسية، وثقة قومها (رجالاً ونساءً) بقدرتها في إدارة شؤونهم، فأعطوها حق القرار والفصل حين أجابوا قائلين: Fﵟقَالُواْ نَحۡنُ أُوْلُواْ قُوَّةٖ وَأُوْلُواْ بَأۡسٖ شَدِيدٖ وَٱلۡأَمۡرُ إِلَيۡكِ فَٱنظُرِي مَاذَا تَأۡمُرِينَ ٣٣ﵞ ﵝالنَّمۡل : ﵓﵓﵜ F.
كم كان بودنا لو أن الشيخ عبدالرزاق الشايجي أسبغ بعض الشيء في شرح مفهوم الولاية للمرأة والذي هو قطعاً لا يمكن أن يكون قاصراً على حق المرأة في الترشيح والانتخاب في المجالس فقط، وعما إذا كان ذلك (الحظر) يشمل (ولاية) المرأة. وإدارتها لمؤسسات هي في نهاية الأمر سياسية، كالجامعة على سبيل المثال، وعن حق الأستاذة الدكتورة فايزة الخرافي مديرة الجامعة في إصدار القوانين، أو في المشاركة في وضع تشريعات إدارية وأكاديمية يخضع لها رجال ونساء في آن واحد، بمن فيهم الدكتور الشايجي نفسه، والذي تبوأ منصبه الإداري والأكاديمي بناء على قرار نسائي بالدرجة الأولى، أصدرته امرأة رضي الدكتور الشايجي أن يولي أمره لها!!
مؤسف جداً أن يتراجع بنا الحال إلى هذه الدرجة من الجمود في التفكير والضحالة في الرؤية، ومؤسف أكثر أن تجرى مناقشة قضية كهذه تحت قبة صرح أكاديمي، وفي حضرة أساتذة ومثقفين!! اما الطامة الكبرى، فهي في أن يكون الإسلام هو المشجب الذي يعلق عليه البعض تناقضاتهم!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى