
قرار منح المرأة الكويتية حقوقها السياسية كاملة، يعتبر قراراً تاريخياً يعزز من مسيرة الوطن الديمقراطية، ويعيد للمجتمع توازنه المفقود، ويؤكد على أهمية تواجد المرأة في كل الشؤون سياسية كانت أم اقتصادية أم اجتماعية!! والخطوة الثانية الآن هي في مرمى المرأة، التي عليها استثمار ذلك القرار بصورة سليمة وصحيحة تمكنها من تحقيق، إنجازات تتعلق بهويتها كمواطنة وبحقوقها الاجتماعية والاقتصادية الأخرى!!
ولعلّ أهم طرق الاستثمار تأتي من خلال ربط الحقوق السياسية بحقوق اجتماعية وشرعية أخرى، خاصة ما يتعلق منها بالزواج وتعدد الزوجات وحضانة الأطفال، والإرث والطلاق!! وكلها جوانب كثيراً ما عانت المرأة منها بسبب سطوة الرجل، واستخدامه المغرض للدين الإسلامي وأحكامه الشرعية!! والمطلوب الآن من المرأة المثقفة أن تقنع بعض الفئات النسائية المستضعفة بالعلاقة المباشرة بين حصولهن على حقوقهن السياسية، وبين الخروج من معاناة ومشاكل اجتماعية وأسرية عديدة!! بل لقد أصبحت قضايا كتعدد الزوجات مثلاً، قضايا حرجة ومتناقضة مع ما قد تحققه المرأة سياسياً كتمثيل نيابي أو توزير أو غير ذلك من مهام!! ولعل منظر المرأة نائبة في المجلس تشرع وتصنع استراتيجيات تتناسب مع ما يملكه زوجها من (حقوق) في تطليقها أو في الزواج من أخرى!!
ويخطئ من يتصور أن في تنظيم العلاقات الزوجية والأسرية خروجاً عن الدين، أو انتهاكاً للشريعة، وإنما هو ارتقاء ونمو للدين الإسلامي الذي أنزله الرحمن لكل زمان ومكان!! وأن التعدد مثلاً قد جاء كرخصة في القرآن وليس قاعدة، فالأصل في الزواج واحدة، والاستثناء هو التعدد!!
لذا فإن تحول رخصة التعدد إلى حق مشاع بلا ضوابط، هو ما يعتبر خروجاً عن المغزى الحقيقي من ورائه!! وتأويلاً ذاتياً لأحكام وقوانين الدين الإسلامي!! قال تعالى ﵟفَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تَعۡدِلُواْ فَوَٰحِدَةًﵞ ﵝالنِّسَاء : ﵓﵜ F. ثم إن كتاب الله يحوي رخصاً أخرى كثيرة لم تعد قائمة بفعل النمو والتطور الاجتماعي، كمسألة الرق مثلاً، والتي هي مباحة شرعاً وإن كانت قد سقطت اجتماعياً، ومع ذلك فإن أهل التعدد لا يصرون عليها كما يصرون على حقهم في الزواج من أربعة!!
وعليه فإن أمام المرأة الكويتية اليوم فرصة لأن تمتد بحقوقها السياسية لتشمل حقوقاً أخرى تضمن لها كياناً مستقلاً وهيبة وكرامة!! وهي خطوة أقدمت عليها المرأة في مجتمعات إسلامية كثيرة، منها على سبيل المثال “تونس” حين اتخذ الرئيس “بورقيبة” في عام 1956 قراراً سياسياً بوضع قانون الأحوال الشخصية على أساس ما جاء في فلسفة الإصلاحيين الإسلاميين في مصر وتونس ولا سيما منهم “سعد الحداد” صاحب كتاب “المرأة بين المجتمع والشريعة” الذي طالب فيه بتحرير المرأة المسلمة وإعطائها حقوقاً متساوية مع الرجل في المجتمع انطلاقاً من تأويل النصوص القرآنية والسنة باعتبار أن الإسلام دين يسر وليس دين عسر ويتحول مع تحول التاريخ والمجتمعات!! وقد أقر قانون الأحوال الشخصية وحدد سن زواج المرأة والرجل، ومكن من الطلاق في صورة متساوية بين الرجل والمرأة في محكمة مدنية وأمام قاض!!
وقد نمت تلك الخطوة مع نمو الديمقراطية في تونس ومع بروز دور المرأة في المجتمع السياسي التونسي وبفضل جهودها المتواصلة، حيث أسس “مجموعة 95 المغاربية من أجل المساواة” والتي أعطت للمرأة التونسية حقوقاً جديدة بخاصة على مستوى المساواة مع الرجل في نطاق الأسرة، فساوت بين الزوج والزوجة في ما يخص إدارة مصالح الأبناء وتربيتهم والسفر والمصالح المالية.. وكلها قوانين تحديثية وإن كانت متعلقة بالمبادئ الإسلامية!!
ولا تزال المرأة في تونس ماضية في الإصرار على حقوقها، حيث تطالب الآن بمزيد من الحقوق المالية، والمزيد من المساواة!!
لقد أكد الإسلام حق المرأة السياسي قبل أن تقره القوانين الوضعية!! ويكفي أن نذكر هنا أن أول بشر استشهد في سبيل الإسلام كان امرأة هي “سمية” وأن المرأة قد شاركت مباشرة في إرساء قواعد الدولة الإسلامية في يثرب، حيث حضرت النساء بيعتي العقبة الأولى، والثانية!!
إن المهمة التي أصبحت أمام المراة الكويتية هي أن تمتد بحقوقها السياسية لتشمل حقوقاً أخرى، كان فقدانها مصدراً لمعاناة كثيرة طالت شريحة كبيرة من النساء ولا تزال. وحتماً ليس من مصلحة المرأة أن تبقى الحقوق السياسية قصراً على الشريحة المثقفة، أو الواعية أو أن تتمتع بها فئة دون أخرى!! لأن في ذلك انهياراً لكل الجهود السابقة، وضرراً وهدماً لأي جهود لاحقة!!
