
في شهر أكتوبر الماضي، أقامت مدرسة “جمانة بنت أبي طالب” حفل افتتاح مكتبة حصة البكر المتبرع بها السيد عبدالرحمن شيخان الفارسي، بالإضافة إلى مختبر الحاسب الآلي، وألقت يومها ناظرة المدرسة السيدة إقبال العيسى كلمة بهذه المناسبة، أشادت فيها بالمتبرع، وأثارت قضية هامة تتعلق بضرورة الخروج بالتعليم والتربية من دائرة الرعاية الحكومية البحتة، وحضانة وزارة التربية، والدفع بالعملية التعليمية والتربوية لتصبح بمشاركة ومساهمة الجميع.
وفي الأسبوع الماضي أثار وزير التربية تلك القضية من جديد، حين أعلن في افتتاح مخيم السلام للمرشدات أن عملية دعم التعليم ليست مسؤولية الحكومة وحدها، بل يجب أن يشارك الكل من أجل النهوض بمستوى العملية التعليمية التي تمس كل الشرائح.
وناشد الوزير الجمعيات الخيرية والأمانة العامة للوقف بتقديم يد المساعدة للجهات التربوية القائمة على تنظيم المهرجانات الإبداعية الهادفة بما يخدم المصلحة العامة للطلاب والطالبات!
الدافع من وراء حديث الوزير والناظرة هو بلا شك دافع تربوي وتعليمي بحت، غير أن المشكلة التي قد تجابهها اقتراحات سامية كهذه أن هنالك اختلافات وخلافات شاسعة وواضحة بين أهداف هذين التربويين وبين أهداف الجهات المخولة بالمساهمة، وذلك بما يتعلق بتعريف “المصلحة العامة”!
ففي كل دول العالم المتقدم يكون لمؤسسات خاصة وجهات خيرية دور كبير وغالباً ما يكون أساسياً في دعم احتياجات المجتمع والتكفل بتغطية مكامن القصور التي قد تغفلها الإدارة والمؤسسات الحكومية.
ولكن الأمر يختلف كثيراً في هذا الوطن، حيث اختلطت السياسة بعمل الخير، والدوافع الحزبية بما هو نبيل وسام ومجرد، بل وحتى الزكاة، تلك الفريضة الإسلامية الراقية والمنزهة، لم تسلم من تقديرات بعض الذين يخلطون السياسة بالدين، وأصبح الحق فيها رهن حسابات وتوصيات ذلك البعض!
من الطبيعي أنه حين يأتي الحديث عن مساهمة الجهات الخاصة في دعم مشاريع تربوية أو تعليمية أن تبرز بعض المؤسسات الثرية كأبرز المساهمين، منها على سبيل المثال: الجمعيات الخيرية والأمانة العامة للوقف! لكن التجارب مع هذه الجهات لا توحي ولا تبشر بخير كثير! فلم نسمع عن مساهمة إحدى الجمعيات في بناء مدرسة أو في دعم برنامج تعليمي أو تثقيفي، أو في تبني قضايا تربوية مالياً أو أدبياً، وإن حدث شيء من هذا القبيل، فإن أثر تلك المساهمات لا يتجاوز نطاق “جماعة” تلك الجمعية والمقربين إليها فكرياً ومنهجياً! لذا، فإن الطريقة الوحيدة والمثلى لتجاوز أثر ذلك الخلط في تحديد مفهوم وإطار “المصلحة العامة” لا تكون إلا بإبعاد هم السياسة وطموحاتها عن دائرة الجمعيات والمؤسسات الخيرية الضيقة!
حدثتني قبل فترة إحدى طالبات كلية الصيدلة عن عزمها هي وبعض الطالبات الذهاب إلى “الأمانة العامة للوقف” بقصد طلب دعم مادي أو مكافأة تشجيعية لهن أسوة ببعض طلبة كلية الطب! الغريب في حديث تلك الطالبة أن أمانة الوقف تصرف تلك المكافآت تحت بند صدقة “طالب العلم”، على الرغم من أن لتلك الصفة شروطاً لا نتصور أنها تنطبق على أي من طلبة العلم هنا في الكويت، سواء في كلية الصيدلة أو الطب أو أي من الكليات الأخرى! مما يفتح المجال هنا لتساؤلات تحوي من التكهنات الكثير والغريب!
خلاصة القول، إن مشاكل التعليم ومسؤولياته عبء لا يجب أن تتحمله جهة واحدة حتى وإن كانت الحكومة ممثلة بوزارة التربية، ونحن الآن أصبحنا كبلد نحتضن العديد من الجمعيات والوقف الذي يتحكم بمبالغ كبيرة وضخمة لا يجوز أن تغطي احتياجات الآخرين وتبقي احتياجاتنا بلا غطاء ولا كسوة! وهو بالتحديد ما أشار إليه السيد الوزير وما أثارته السيدة الناظرة في حديثهما الذي أشرنا إليه في بداية حديثنا هذا! ولنتذكر ونذكر كل أهل الخير والعطاء بأن “خيركم خيركم لأهله”!
