
قضية التعليم في الكويت أصبحت مقلقة ليس بسبب تردي المناهج التعليمية وتدهورها، ولا بسبب تراجع مستوى المعلم وحسب، وإنما بسبب غياب سياسة تعليمية للدولة، واستراتيجية موحدة ينطلق منها التربويون والمعلمون، ويرسمون في ضوئها مقرراتهم ومناهجهم التعليمية.
هذا الواقع لا يتعلق بمراحل التعليم العام والأساسي فقط، وإنما يشمل وبكل أسف التعليم العالي منه.
التعليم في دول الخليج خاصة، أصبح الآن تحت المجهر، وذلك بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر(!) بدعوى أن مناهجنا التعليمية تحوي مواد تحرض على الفتنة، ومعاداة الأديان والثقافات الأخرى! وتلك بحد ذاتها مسألة عقدت من محاولات أو مشاريع البعض لإصلاح التعليم في الكويت، حيث زادت حدة الخلاف حول المناهج الدراسية بين مؤيد لتغييرها وتحديثها بصورة تتفق مع متطلبات العصر الذي نعيشه، وبين معارض لذلك بحجة أن تغيير المناهج يهدف إلى ملاءمتها مع ما يريده الصهاينة وما يفرضه الأمريكيون!
مؤخراً قامت إحدى المؤسسات التعليمية الخاصة في الكويت بطرد أحد أساتذتها الأجانب بحجة أنه استخدم في مقرره الدراسي معلومات تراها إدارة هذه المؤسسة محظورة أخلاقياً وسياسياً! وقد جاء في دفاع الأستاذ (المطرود) أن هذه المؤسسة التعليمية تتبع – وبناء على العقد الأساسي – للمؤسسة الأم في الولايات المتحدة، ويشمل هذا الارتباط بالطبع المناهج بصورة تمكن الطالب من الالتحاق بأي من المؤسستين، هنا في الكويت أو في الولايات المتحدة الأمريكية إن هو شاء! لذلك فهو يرى أن تصرف المؤسسة – فرع الكويت يأتي مخالفاً للعقد الاساسي، وبالطبع فقد وجه هذا الأستاذ تظلماً للإدارة الرئيسية في الولايات المتحدة، فأبدت أسفها لمخالفة فرع الكويت للشروط!
الأستاذ المطرود يدرس الأدب الإنكليزي في فرع الكويت، ودراسة الأدب لأي لغة تتطلب استعراضاً لمراحل تاريخية أثرت في هذا الأدب وتأثرت به، وقد كان لأدب القرن التاسع عشر حصة من تلك اللمحات التاريخية! وحدث أن هنالك شاعراً مهماً في تلك المرحلة حوت أشعاره شيئاً ترجمته إدارة المؤسسة فرع الكويت بكونه إباحياً، هذا بالإضافة إلى استعراض المدرس (المطرود) لمرحلة هامة من تاريخ الأدب في أوروبا وأمريكا بشكل عام، وهي المرحلة التي أعقبت حركة الإصلاح في أوروبا وامتدت إلى تاريخ الأدب الرومانسي Romantic period وما صاحبها من ثورة ثقافية وسياسية أحجبتها رياح التغيير التي أشعلتها الثورة الفرنسية! ولشرح هذه المرحلة كان ينبغي على الأستاذ (المطرود) أن يتحدث عن المبادئ المتعلقة بالحرية والديمقراطية!
وهو ما اعتبرته إدارة المؤسسة التعليمية – فرع الكويت خوضاً في أمور سياسية محظورة! فإذا كان فرع الكويت يرى في شعر شاعر القرن التاسع عشر إباحية دفعتها إلى طرد الأستاذ، فهل يعني ذلك أن الإدارة ذاتها ستحجب أهم وأشهر شعر شكسبير المتميز بقافيته الشهيرة Sonnets لأن تسعين من هذه القصائد العاطفية كانت موجهة من شكسبير إلى رجل وليس إلى امرأة؟ وهل سترفض هذه الإدارة استخدام أي من المواد المقررة التي تتحدث عن حرية الرأي والتعبير والديمقراطية بدءاً بأفلاطون وانتهاء بأدباء وشعراء القرن العشرين؟!
مشكلة طرد الأستاذ ستعلق وبشدة الجرس محذرة من سيادة الغلو والتطرف، وتجاهل الثقافات والحضارات الأخرى كأسلوب للحفاظ على أفكارنا وتقاليدنا! لا نريد أن تصدق مقولات البعض بأننا نخشى الانفتاح على الحضارات والثقافات الأخرى! ولا نريد أن نؤكد ما يتهمنا البعض به من كوننا نتجاهل ونتحاشى زرع القيم الديمقراطية في وعي أبنائنا وفي مناهجنا التعليمية!
إن تجاهل فكر الآخرين وأدبهم وسياستهم ليس أسلوباً حكيماً ولا ناجحاً للدفاع عن عقائدنا وأفكارنا، وخاصة إذا ما صدر هذا التجاهل من مؤسساتنا التعليمية، فهو يعني أننا نهيئ جيلاً منفصلاً عن العالم من حوله، ومنغلقاً عن الثقافات الأخرى بصورة تزيده جهلاً لا نوراً، وتطرفاً دون تسامح! إذاً قضية الأستاذ المطرود ليست قضية المؤسسة التعليمية التابع لها وحسب، وإنما هي قضية وعي بالدرجة الأولى، تلقي بظلالها علينا جميعاً كمجتمع وكدولة آخذة في الانصهار مع العالم من حولها!
