
يتذكر جيل الستينيات والسبعينيات وإلى الثمانينيات، مناخ الانفتاح والإبداع الذي ساد مؤسسات التعليم في تلك الأعوام، يتذكرونه وفي قلوبهم غصة على مناخ التعليم الجاف والمتشنج والمنغلق الذي أصبح سائداً في الكويت منذ فجر تسعينات القرن الماضي! ولعل من النادر أن تجد فرداً، ممن تعلم في أعوام الانفتاح تلك، لم يشارك بصورة أو بأخرى في نشاط مدرسي فني أو استعراضي!
كانت مدارس الكويت حينها في قمة أوجها وتألقها، وكان الفن والمسرح والنشاط المدرسي جزءاً حيوياً من العملية التعليمية بشكل عام!
كانت مدارس الكويت تترجم أفراح البلد وتعكسها من خلال استعراضات إبداعية، تشارك فيها كل المراحل التعليمية، وكانت أرض ثانوية الشويخ سابقاً مسرحاً لعروض فنية مبهرة، يتحرك خلالها آلاف من طلبة المدارس في كل المراحل، وكان مسرح المعاهد الخاصة يتحول في احتفاليات الكويت إلى شعلة من الإبداع الفني والغنائي يقوده جمع من الطلبة والأساتذة!
لم يعد بالإمكان، وبكل أسف، الحديث عن الإبداع والفن والمسرح في مدارس الكويت بغير فعل الماضي، فالحاضر، وكما نشهده اليوم، أصبح مقيتاً متشنجاً ومنغلقاً عن كل معالم النشاط المدرسي البريء والمبدع!
في نهاية ديسمبر، استعرضت “القبس” قضية النشاط المدرسي، متسائلة عن سبب إلغاء أو نسيان النشاط المدرسي، الذي يعتبر مصنعاً للموهوبين، لتصل إلى خلاصة محزنة، بأن الأعباء الإدارية قد أكلت وقت المعلمين، وبأنه لا يتم استغلال الإمكانات المتوافرة في المدارس بشكل يعيد للنشاط المدرسي بريقه، وبأن الأجهزة الرياضية في صالات المدارس قد أصبحت تعاني الإهمال وعدم الاستخدام، وأن أغلب المدارس أصبحت تميل إلى إلغاء النشاط، أو استخدام ساعاته للمواد العلمية!
في السابق، كانت مدارس الكويت تتنافس في إبداعاتها المسرحية، يساعدها في ذلك مسارح مجهزة وفقاً لمعايير جيدة، ومناخ يحفز الإبداعات المسرحية التي كانت تشكل جانباً مهماً من النشاط المدرسي!
أما اليوم، فقد تراكمت الأغبرة على تلك المسارح بعد أن هجرها الطلاب والمعلمون معاً لأسباب تتعلق، وبشكل مباشر، بغياب الإبداع من أجندة التربويين اليوم، لكن ذلك، ولله الحمد، لم يكن حال المدارس الخاصة التي أصبحت تنافس مدارس الحكومة علماً وإبداعاً. ففي ديسمبر الماضي، أتحفنا مسرح مدرسة الكويت الإنكليزية، كعادته، بعرض مسرحي يرقى بإخراجه وعرضه إلى العروض المسرحية المحترفة، حيث قدمت “الكويت الإنكليزية”، نسختها الرائعة من المسرحية الخالدة “صوت الموسيقى”، وعلى مدى ثلاثة أيام متتالية، ازدحم مسرح مدرسة الكويت الإنكليزية بالحضور من أولياء أمور وضيوف متابعين، ولأكثر من ثلاث ساعات إبداعات طلابية جاورت الاحتراف في أدائها وتألقها، وذلك بشهادة الجميع، حتى إن أحد السفراء الحضور علق على إبداع “الكويت الإنكليزية” المسرحي في عرضه لـ “صوت الموسيقى”، بأنه تفوق على عرض للمسرحية نفسها، سبق أن حضره في مدينة سالزبورغ النمساوية التي شهدت أحداث هذه القصة الكلاسيكية!
إبداع مدرسة الكويت الإنكليزية المسرحي يؤكد أن النشاط المدرسي من مسرح وفن وموسيقى، يشكل رافداً أساسياً في العملية التعليمية بشكل عام، بدليل أن إبداعات “الكويت الإنكليزية” تواكبه إبداعات على المستوى التعليمي، وذلك وفقاً لنتائج مجلس كمبريدج الذي غالباً ما تحتل فيه “الكويت الإنكليزية” مكانة بارزة من خلال تفوق طلبتها السنوي في الامتحانات المعتمدة من هذا المجلس!
النشاط المدرسي إذاً لم يكن أبداً مضيعة للوقت والجهد، إنما جانب أساسي من العملية التعليمية بشكل عام، وإهماله سيؤدي حتماً إلى خلل في بناء شخصية وإبداع الطالب، وهو ما أصبحنا نلمسه في تعليم جاف غاب عنه صوت الموسيقى!
