الأرشيف

إبداع في “”الكويت الإنكليزية””

[جريدة القبس 30/3/2010]

للفنون بشكل عام أهمية كبيرة في ثقافات الشعوب، لكن للموسيقى، بشكل خاص، أهميتها ودورها المباشر في ارتقاء المجتمعات وتهذيب الأحاسيس والمشاعر لدى شعوبها.
ففي الحضارة الإغريقية- مثلاً- كانت الموسيقى تستخدم في الترفيه والاحتفالات، وفي بعض المناسبات الدينية والروحانية، كما كان للموسيقيين دور أساسي في تطور المسرح الإغريقي، وفي القرن التاسع الميلادي كتب العالم العربي الفارابي مؤلَّفاً رائعاً في الموسيقى أسماه “كتاب الموسيقى الكبير”. كما تعتبر الموسيقى الهندية الكلاسيكية واحدة من أقدم التقاليد الموسيقية في العالم، والحضارات الهندية القديمة تعج بالمجسمات والتماثيل التي تحمل آلات موسيقية مختلفة، أما تاريخ الموسيقى في الصين فيمتد لأكثر من ثلاثة آلاف عام.
اما على مستوى الصحة، نفسية كانت أو جسدية، فقد أثبتت الأبحاث تأثير الموسيقى المباشر في صحة البدن والنفس البشرية، حتى إن هناك جانباً في العلاج الطبي يسمى العلاج بالموسيقى، الذي يستخدم لعلاج أمراض كثيرة، بما في ذلك السرطان وأمراض الأطفال، وأيضاً لمعالجة الألم الشديد الناتج عن بعض الأمراض العضال، بل لقد أكدت الأبحاث أن الايقاعات الموسيقية تعمل على تحفيز بعض موجات المخ بشكل إيجابي، وتساعد على زيادة التركيز وصفاء التفكير والذهن.
في أمسية كانت أكثر من رائعة في أدائها، وأكثر من سامية ونبيلة في أهدافها، قدم فريق الموسيقى في مدرسة الكويت الإنكليزية ليلة من ألف ليلة، خصص ريعها لمساعدة المتضررين جراء الزلزال الذي هز تاهيتي المدمرة، وقد احتضن تلك الأمسية الرائعة مسرح جامعة الخليج للعلوم والتكنولوجيا في مبادرة إنسانية أعادت إلينا الانسجام الروحاني المطعّم بروح الإيثار والعطاء، الذي كاد يبدده شبح المشككين دوماً في أهمية الموسيقى ودورها في الارتقاء بالنفس البشرية، واعتبارها خروجاً على الدين وتعارضاً مع تعاليم الشريعة الإسلامية.
وقد قدم فريق مدرسة الكويت الإنكليزية ما يقارب سبع عشرة معزوفة كلاسيكية وحديثة، أداها تلاميذ كانوا أكثر من مبدعين، فقدموا لشوبان ولشتراوس ولبيتهوفن وغيرهم من فطاحل الموسيقى العالمية.
عدت إلى الوراء وأنا أتابع أداء فريق “الكويت الإنكليزية” الموسيقي واسترجعت ذاكرتي الأيام الذهبية للكويت، حين كانت فرق الموسيقى المدرسية جزءاً مهماً من التعليم الذي نشأنا عليه، ولعل أبناء جيلي يتذكرون كيف كنا كطلبة مجبرين على اختيار آلة موسيقية مع بداية كل عام دراسي، وكيف كان التدريب على تلك الآلة مستمراً طوال العام الذي غالباً ما تختمه المدارس بحفلاتها الختامية التي يكون لفريق المدرسة الموسيقي نصيب مهم وأساسي من تلك الحفلات.
انقضى ذلك الزمن- وبكل أسف- مع سيطرة قوى التكفير والتغليظ على كل أوجه الحياة، خاصة الإبداعي منها، ولم يبقَ لنا سوى جهود مدارس خاصة، مثل “الكويت الإنكليزية” لتمتعنا بإكسير الحياة، بالموسيقى وسُلّمها الملهم!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى