الأرشيف

لا” كبيرة.. لإلغاء “الآيلتس”

[جريدة القبس 26/6/2018]

مشكلة التعليم كانت ولا تزال في تدخل غير المختصين في الشأن التعليمي، وإصدارهم لأحكام يغلب عليها الطابع السياسي أكثر بكثير من الشق العلمي البحت، وآخر مستجدات هذا الوضع الكارثي كان فى الجدل حول مشروعية أو ضرورة اختبار “الآيلتس” للمبتعثين.
بداية أودّ أن أوجز هنا معنى وهوية اختبار “الآيلتس”، أو اختبار اللغة الإنكليزية الدولي، الذي ثبت ومنذ بدايته في عام 1989 أنه أفضل الاختبارات لتحديد قدرات الطالب ومدى تمكنه من اللغة الإنكليزية، وهو معتمد في أكثر من 120 دولة ويتقدم له سنوياً أكثر من نصف مليون شخص، حيث يخضع له الراغبون في الدراسة الأساسية والعليا في أغلب الجامعات.
اللغة الإنكليزية، شئنا أم أبينا، أصبحت هي عصب الحياة والعمل، بل استطاعت أن تهزم “الفرانكوفونية” التي ظلت متربعة على عرشها كلغة الدبلوماسية، وهو ما أقرت به فرنسا مؤخراً حين أدرجت اللغة الإنكليزية كمادة أساسية في مقرراتها، ونحن هنا في الكويت قطعاً لا نختلف في ذلك عن سائر دول العالم في حاجتنا إلى تعزيز هذه اللغة بشكل صحيح وأكاديمي، ومن هنا كانت الجهود موجهة إلى تخريج طلبة قادرين على التعامل مع عالم يتحدث الإنكليزية ويتداولها كشرط للتواصل، وهو أمر ضاعفه اليوم مفهوم “القرية الصغيرة” الذي وحّد الكرة الأرضية بشعوبها وثقافاتها وانتماءاتها، لكن، وما أصعب “لكن” هنا، بدأت التدخلات السياسية التي أرهقت وأزهقت روح وجوهر التعليم في الكويت.
ولتوضيح ذلك سأحكي تجربتي مع تعليم اللغة الإنكليزية في جامعة الكويت، وهي تجربة تجاوزت العقود الثلاثة بعدة سنوات، ففي بداية عملي كان مستوى طلبة مقرر اللغة التمهيدي يتيح لي التوسع في تدريب الطلبة على صياغة موضوع كتابة يتجاوز في حجمه أربع فقرات مع الالتزام بشروط الكتابة الأكاديمية الصحيحة، وبالفعل فقد كانت جهود الطلبة آنذاك والتزامهم تمكّنهم مع نهاية الفصل الدراسي وبمهارة من إنجاز الفقرات الأربع بشكل جيد، وشيئاً فشيئاً بدأت التدخلات السياسية لتخفيف جرعة اختبارات القدرات لتمكين أكبر نسبة من الطلبة من الدخول إلى الجامعة. ثم تجاوزت تلك التدخلات معدّل النجاح Cut off point في اختبار القدرات للغة الإنكليزية للدخول في الكليات التي تعتمد اللغة الإنكليزية في مقرراتها، وأتذكر محاولتنا لرفع تلك النسبة من 60 في المئة إلى 70 في المئة، وذلك لضمان مستوى اللغة وحتى لا يضيّع الطالب عاماً كاملاً من عمره قبل أن يدرك أنه غير مؤهل للاستمرار في تلك الكلية بسبب حاجز اللغة، وهي المحاولات التي تم رفضها من قبل بعض أعضاء مجلس الأمة، أما القصص المشابهة لذلك فهي أكثر من سعة المقال!
اليوم وبفضل تدخلات سياسية أغلبها من بعض النواب، تعجز نفس الشريحة العمرية من الطلبة، وفي نفس المقرر التمهيدي عن صياغة فقرة واحدة من عشرة أسطر، حتى إن أغلبهم يرسبون بسببها!
المحزن هنا أن أعضاء مجلس الأمة الذين يحملون لواء إلغاء “الآيلتس” هم من حملة الدكتوراه الذين يفترض أن تدفعهم أمانتهم العلمية إلى الإصرار على تحسين المستوى لا إهداره!
لقد أدى العبث بشروط الابتعاث في الأعوام السابقة إلى ظواهر مخيفة في الحرم الجامعي وإلى ظهور أساتذة تخرجوا في بريطانيا وأمريكا، ويمارسون التدريس في كليات تشترط اللغة الإنكليزية في مقرراتها ككلية العلوم الإدارية، والطب، والهندسة، مع ذلك تجدهم يتلعثمون عند الحديث باللغة الإنكليزية ويخطئون في أبسط قواعدها اللغوية! لذلك لا وألف لا لإلغاء “الآيلتس” إذا ما كنا حريصين على المستوى الأكاديمي لمخرجات مؤسساتنا التعليمية.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى