
من بديهيات الحياة أن الإنسان لا يعيش بالخبز وحده.. ولكونه متميزاً عن غيره من المخلوقات الأخرى بقدرته على التفكير، فقد استطاع أن يسخر عقله في عملية التطوير الاجتماعي والاقتصادي طوال عملية التطور التاريخي للإنسان.
وفي خضم الأحداث التي مرت بتاريخ البشرية من ثورات وصراع ونزاعات، اتخذ العلم دائماً موقف الحياد، فلم يكن أبداً طرفاً في صراع.. وحتى المحاولات التي أرادت استخدام العلم كسلاح لتقديم فلسفة خاصة تخدم فئة معينة من البشر، قد أثبتت فشلها في الاستمرار، وما الأحداث التي نعيشها ونحن نقترب من نهاية القرن العشرين إلا تأكيد لتلك الحقيقة، وهي أنه من الخطأ مقاومة العلم في محاولة لتزيين الحقائق، أو تحريف النظريات الاجتماعية كي تتلاءم مع سياسات معينة.
وإنسان القرن العشرين أصبح أكثر إلحاحاً في طلب العلم، لارتباطه ارتباطاً مباشراً بعملية التقدم والرفاهية، فأصبح حقاً لكل مواطن وفي أي مجتمع كان أن توفر له الظروف والأساليب بغية مواجهة متطلبات الحياة الحديثة والقائمة أساساً على العلم.
والكويت، ليست إلا واحدة من تلك المجتمعات التي أدركت اهمية العلم كغذاء روحي له شأن كبير في تقدم وتطور الجانب المادي للحياة، فتصدرت عملية التثقيف والاهتمام بوسائل التعليم قائمة الاهتمامات في الدولة، في محاولة طموحة للتقدم والتطور مستقبلاً.
وقد واجهت عملية التعليم في الكويت الكثير من العثرات والأخطاء، والتي غالباً ما اتسم طابع التصدي لها بالفشل، لافتقاد الدولة أساساً لفلسفة تعليمية ثابتة، فتخلف المناهج مثلاً، والذي كان دائماً عقبة في تطوير العملية التعليمية، كان نصيبه من الحل “لجاناً لتطوير المناهج” تتشكل بصفة استمرارية لتفشل وليعاد تعيين لجان أخرى جديدة.. وهكذا تظل تدور في حلقة مفرغة لافتقادها أساساً لخطة وفلسفة تعليمية يتم على أساسها تطوير المناهج.
فالتعليم السليم لا يمكن أن يبدأ بدون خطة مدروسة تستند إلى فلسفة وسياسة تنتهجهما المؤسسة التعليمية.
وقد ترتب على هذا الارتجال في انتهاج الخطط التعليمية، أن أصبحت المؤسسة التعليمية في الكويت قادرة على إغراق المجتمع بآلاف من الأفراد من الكتبة والمنفذين وعاجزة عن تزويد المجتمع بكفاءات قادرة على أن تخطط وتقرر.
وتأتي مرحلة ما بعد الغزو.. لتضيف نوعاً آخر من التخبط والارتجال في العملية التعليمية متمثلاً في مأساة الدمج والتي كان أثرها واضحاً في الهروب الجماعي للطلبة إلى المدارس الخاصة، والنقص الكبير في الهيئة التعليمية، والرداءة الواضحة في طباعة المناهج التعليمية.
ولكن يبدو أن عملية التشويه للعملية التعليمية لم تقتصر على الدمج فقط.. بل اشتملت أيضاً على تخبط آخر تمثل بحذف كل ما يتصل بالعراق، اسم العراق، علم العراق، تاريخ العراق، من كل المناهج التعليمية، وذلك حفاظاً على مشاعر أبنائنا الطلبة!! لنكيل بذلك ضربة أخرى لعملية التعليم في هذا الوطن، ولنمارس تماماً ما مارسه زعيم النظام العراقي حين أمر بمسح الكويت من خارطة العالم، وإلغائها كدولة مستقلة.
ومن المفارقات العجيبة أيضاً وسط هذا التخبط أن بعض أساتذة علم التاريخ اقترحوا ألا يدخل تاريخ العراق ضمن أي مقرر من مقرراتهم!!
نحن لا نعاقب العراق أبداً حين نلغيه من مناهجنا التعليمية بل نعاقب أنفسنا ببتر جزء من ثقافتنا وتاريخنا، ونسلب عقولنا حق معرفة حضارات دامت آلاف السنين، فالعراق قبل أن يكون عراق صدام حسين، كان وما زال حدودنا الشمالية، أي أن إلغاءها وتجاهلها فيه إلغاء لجزء من حدودنا.
وإلغاء تاريخ العراق، لا يلغي قادسية صدام حسين، بل يلغي قادسية سعد بن أبي وقاص، وفتوحات صلاح الدين الأيوبي (وهو من الأكراد) والدولة العباسية، والحضارة الأشورية، وحضارات أخرى كثيرة امتدت لآلاف السنين كان مرتعها وادي ما بين النهرين، حيث ظهرت الثورة الزراعية وما صاحبها من تغيير في قوانين ونظم اجتماعية كثيرة.
وكما أشرت مسبقاً، فإن العلم يبقى محايداً في خضم الصراع الدائر في أي زمن.. ولارتباط العلم بالعقل، فإنه يظل أقل تأثراً بما تمليه العاطفة من توجهات معينة.
والحياد، كان نهج الكويت في إرساء سياسته الخارجية، فقد استطاع هذا البلد الصغير أن يقيم توازناً دقيقاً ناجحاً إلى حد كبير في تعامله مع دول ذات مصالح متعارضه، عاكساً بذلك عقلية مجتمع الكويت التجارية المتمثلة بالقدرة على المصالحة والقبول بالحلول الوسط بدلاً من المعارضة والمجابهة. وقد تغير هذا المسلك إبان الحرب العراقية – الايرانية، حيث كانت الكويت أكثر صراحة في معاداة إيران، وانتقت نهجاً مخالفاً لسياستها الخارجية، وليس بالضرورة أن يكون ذلك سبباً لما حدث في الثاني من أغسطس 1990، إلا أن الكويت وبسبب ذلك الموقف المتطرف قد أضرت بأمتها وبمصالحها في سلسلة الانفجارات التي حدثت في بداية الثمانينيات.
ذلك كان الأسلوب الذي انتهجته الكويت في إرساء سياستها الخارجية إدراكاً منها بأن أمنها رهن بالحفاظ على نوع من التوازن.. ونبذ الانحراف والتطرف.
فإذا كان الحياد والتوازن أساس سياستنا الخارجية، والتي وعلى أساسها نستمد بقاءنا بين دول تكبرنا شأنا وتفوقنا عدداً، فإن الانحراف عن هذا الحياد في العملية التعليمية لن يمس أحداً بسوء، بقدر ما يؤثر سلباً على مسيرتنا التعليمية.
ولنتذكر دائماً أن الحاضر هو أب المستقبل.. وأن أسلوبنا في تنشئة الأجيال على الحقائق كما هي، حتى وأن بدت مرة المذاق أحياناً، هو السبيل الأمثل للذود بهم عن المزيد من المعاناة مستقبلاً، ولنخلق منهم أفراداً قادرين على استيعاب كل تناقضات الحياة.. ليعلموا أن طمس الحقيقة لا يلغيها، وأن مسح علم العراق، أو اسم العراق من كتاب مدرسي لا يلغي حقيقة وجوده. وليتعلموا عوضاً عن ذلك ان بإمكانهم الاستفادة إيجاباً من دروس الحياة القاسية، وليجعلوا من كارثة الغزو لحظة مناسبة لانطلاقة وبداية جديدة في شق الطريق نحو مستقبل أفضل.
ولنبدأ طريقنا نحو مستقبل جديد ببناء أفراد قادرين على استيعاب الحقائق بغرض الانتقاء منها لا إلغاء جزء منها. ولنجعل المستقبل هدفاً يسعون إليه، واضعين نصب أعينهم أنهم ليسوا وحدهم اللاعبين في ساحة هذا المستقبل، وان بقاءهم رهن بقدرتهم على إبقائهم على شيء من التوازن، وأخيراً ليعلموا جيداً أن استيعاب الواقع هو الطريق الأضمن نحو تحقيق الهدف.
