
في زمن يصعب على الكبار فهمه.. ويشق عليهم استيعاب أحداثه.. زمن اختلطت فيه الألوان.. وشوهت المبادئ.. واغتيلت الأخلاق.. زمن أصبح فيه تبين الخير من الباطل عملية شاقة.. في زمن كهذا يقف الأطفال على عتبته كالتائهين.. عاجزين عن فهم واستيعاب ما يجري.. فبين غمضة عين وانتباهها أصبح أصدقاؤهم وأقاربهم.. أعداء لهم.. وأصبحت العروبة والجوار خدعة وأكذوبة كبرى.. وغدت العقيدة سلعة وهذياناً يهذي به أولئك الذين غرسوا السكين في قلب الوطن.
كيف نحكي لأطفالنا حقيقة ما حدث من تشويه لحقائق عملنا طويلاً على غرسها وترسيخها في أذهانهم.. كيف نعيد بناء مفاهيمهم ومعلوماتهم دون أن نفقد مصداقيتنا بكوننا عالم الكبار الذي يلجأون إليه حين يشق ويصعب الفهم.. أي أسلوب نستخدم لنشرح لهم أسباب التغيرات التي ألمت بكل ما بحوزتهم من معلومات.. سواء معلومات مدرسية.. أو معلومات يتلقونها عبر وسائل الإعلام.. من إذاعة.. وتلفزيون.. ومسرح؟
إن الطفل هو مشروع الرجل.. بمعنى أن ما نغرسه في أطفالنا الآن سنجني ثماره في أفراد المستقبل.. وأي خطأ في أسلوب إيضاح المعلومات.. وسرد التفاصيل وتفسيرها للطفل.. سيعود مستقبلاً ليصبح جزءاً من مسار الفرد في هذا الوطن.
لعلنا الآن وبعد الذي ألم بالوطن بصفة خاصة.. وبالعالم بصفة عامة من أحداث ومتغيرات.. بدءاً بغزو النظام العراقي للوطن.. مروراً باختلاف ردود الفعل العربية تجاه الحدث.. ووصولاً إلى التغيرات اللاهثة السريعة التي شملت العالم من حولنا.. لعلنا الآن أمام مهمة شاقة وصعبة في كيفية تنشئة الطفل في هذا العصر المطبوع بالتغيرات والأحداث السريعة. كثيراً ما يغيب عنا أن قدرة الطفل على التكيف مع تلك المتغيرات تفوق قدرتنا نحن الكبار بكثير.. لذلك فإننا غالباً ما نعمد إلى عزل الطفل في عالم خاص.. ونحيطه بكم من الانفعالات والانطباعات العاطفية الإنشائية.. فلو تتبعنا أسلوبنا في طرح قضية غزو النظام العراقي في مجال الطفل.. سنخرج بحصيلة هزيلة لأغاني معادة ومكررة ومسرحيات هزلية.. ذات حصيلة ضئيلة جداً من المعلومات والمعرفة.. وأبعد ما تكون عن مخاطبة عقل الطفل.
أطفالنا عاشوا محنة الاحتلال معنا.. اختلطت عليهم المفاهيم تماماً كما اختلطت على عالم الكبار.. أضاعوا السبيل تماماً كما أضاعه الكبار.. إذاً فإن أسلوبنا في سرد الوقائع والتفاصيل يجب أن يكون بطريقة نضمن معها أكبر قدر من الفهم لما حدث.. وما هو حادث.. على أن نراعي في أسلوب السرد عدم زجهم في دائرة الحقد والكراهية.. فقد نكون في هذا الوطن أكثر المدركين لما يجلبه الحقد من عوائد وخيمة على الفرد مستقبلاً.
فالطفل الفلسطيني عاش طفولته وهو ينمي إحساساً أملاه عليه عالم الكبار.. وبأنه ضحية خطيئة وأخطاء الآخرين.. وبأن أسلوب الثأر هو الطريق الوحيد المضمون لعودة الأرض، لم يرو له الكبار أن الخطيئة الكبرى كانت في تتابع ديكتاتوريي القضية على النضال مع كل القضايا الإنسانية.. إلا قضية وطنه.. حيث أنها كانت دوماً تشكل المورد الوحيد لتمويل الجهود من أجل إعادة الأرض!!
ولا أعني هنا أن على طفل الشهيد.. وطفل الأسير النسيان.. والصفح.. وكبت الكراهية لمن كانوا سبباً في مأساته.. وإنما بالإمكان توجيه طاقة أحاسيسه ومشاعره هذه.. لتكون محطة بداية يثبت فيها أن الحياة لا يمكن أن تتوقف.. وأن دوره سيبقى توجيه إمكانياته ليثبت وجوده في ركبها. وبما أن الطفل وحده سيكون غير قادر عن البحث في إيجابيات دروس وعبر الحياة القاسية.. فإن مهمة عالم الكبار تأتي أولوياتها هنا في إطلاع الطفل على الممكن وسط كل تناقضات الحياة بأفراحها.. وبأحزانها.. وتشجيعه على التعامل والتفاعل مع كل تقبات الحياة بأسلوب مبدع يعود عليه النفع.
عالم الطفل.. هو عالم الحرية.. وعالم اللامستحيل. والمساعدة الوحيدة التي يمكن أن يقدمها عالم الكبار.. هي في تأمين اتصال الطفل بمجريات الأمور من حوله.. وإزالة كل ما يعوق ويحجب وصول المعلومات إليه.. على أن لا نسعى إلى إبقائه في دائرتنا نحن الكبار.. وإنما بتشجيعه على التفكير المستقل وتأهيله للوصول ذاتياً إلى قناعته.. والأسلوب المتبع من بعد تحرير الوطن مع أغلب الأطفال.. وفي كل المراحل التعليمية.. أسلوب يغلب عليه طابع التعميم.. فالعراق عدو أبدي.. وتاريخه لم يعد يعنينا.. ومجازر الطفولة في شماله وجنوبه غضب رباني أنزله الإله عليهم.. والعروبة البشعة تتربص بنا في كل بقاع الأرض لتفتك بكل ما هو كويتي.. أو أحياناً إذا نحن عممنا.. بكل ما هو خليجي.. والإسرائيليون أصبحوا أحق بالأرض بعد أن خاننا الفلسطينيون.. كل تلك الانطباعات والتي أصبح مجتمع الكبار مؤمناً بأنها الأسلوب الأمثل للثأر مما حدث.. نعمل بجهد على غرسها في أطفالنا.. انطباعات تتنافى مع واقع العالم المتغير دوماً من حولنا.. انطباعات تشمل جانباً من المعرفة والحكم هو ذاتي الطابع.
إن الطفل سيخرج إن آجلاً أو عاجلاً.. إلى عالمنا.. وستكون قدراته محدودة على التعامل مع عالم لا يحوي بالضرورة كل ما أملاه عليه عالم الكبار.. عالم يجمع النقيضين.. فيه من الشر الكثير.. وفيه من الخير الكثير أيضاً سيجد أن الأحكام القاطعة التي اقترحها الكبار ليست كما تصور.. وسيرفض عقله الكثير من الشوائب التي أقرها مجتمع الكبار في فترة قسا فيها التاريخ والزمن معاً.
مناهج الاجتماعيات في هذا الوطن.. تحكي حقيقة ذلك الأسلوب الذي خرجنا به من المحنة في كيفية اطلاع أبنائنا على حقيقة ما حدث.. مناهج تسرد وقائع الغزو اليومية بأدق تفاصيلها.. تفاصيل تحكي رواية القهر السياسي للنظام العراقي.. وما أحدثه من تدمير لهذا الوطن.. وتغفل تفاصيل أخرى لا تقل أهمية.. تفاصيل سيذكرها التاريخ وإن نحن تجاهلناها.. وسيدرسها في المستقبل.. على كونها أحد المسببات الأساسية للكوارث التي توالت على هذه البقعة من الأرض.. تلك التفاصيل المتعلقة بسيطرة حكم الفرد.. وما قد تجلبه من مآسٍ لشعوبها.. نريد أن نحكي لأطفالنا أن صدام لم يكن ليظهر في هذه المنطقة لولا فرص الديكتاتورية المشاعة والساكنة بين أضلعنا جميعاً.. وأن الدول العربية الأخرى والتي ساندته في إجرامه.. لا تزيد شعوبها حظاً عن حظ عراق صدام حسين.. وإننا قد نتيح فرصة أخرى لماجن آخر إذا لم نقطع الطريق على أمثاله من الأفراد. لنجعل من هذه الظروف فرصة لفرز مفاهيم الديمقراطية والمشاركة لدى أبنائنا.. بدءاً بانتخابات تجرى في الفصول الدراسية لانتقاء مشرف الفصل.. حتى نصل إلى انتخابات على مستوى المدرسة يتم فيها اختيار رقباء المدرسة.. خلاصة القول.. إن المطلوب منا تأسيس علاقة أطفالنا مع عالم واقعي.. ممكن.. تتعدد فيه الاحتمالات والتغيرات بعدد الأيام ذاتها.. فقد أثبت العلم وبرهنت التجربة أن الطفل يملك قدرة على المواجهة والتعامل مع المستجدات.. أكبر بكثير من قدرة عالم الكبار.
“واتقوا الله في ابنائكم.. فلقد ولدوا في زمان غير زمانكم”.
