
في كتابه… “الاستعداد للقرن الحادي والعشرين”.. والذي تنشره “القبس” في ملحق القضايا الأسبوعي.. يتحدث الكاتب “بول كنيدي” عن المعوقات التي تحول دون وضع خطة قومية للمجتمع الأمريكي وذلك لمواجهة متطلبات القرن المقبل.
وحيث يرى “بول كنيدي”.. أن الدلائل تشير إلى أن الولايات المتحدة غير مستعدة.. وغير قادرة على وضع سياسة لمواجهة القرن الحادي والعشرين.. وأنها باتجاه “السقوط” أكثر من “النجاح” في سياسة مواجهة القرن القادم.. ويعرض “بول كنيدي” في كتابه تصوراته التي تؤكد أنه ما لم تصبح الولايات المتحدة دولة مختلفة فإنها حتماً ستلقى مصير “بريطانيا” والتي أفقدتها تقديراتها الخاطئة في قراءة معالم المراحل القادمة.. أفقدتها مكانتها المتميزة في العالم.. ومن ضمن الانتقادات التي يوجهها “بول كنيدي” للسياسة الأمريكية في مواجهة القرن المقبل.. انتقاده لأنظمة التعليم في أمريكا.. خاصة وأنه طبقاً لإحدى الدراسات.. فإن حوالي 25 مليون أمريكي يعتبرون في عداد الأميين من الناحية العملية.. وهو بذلك يرى أن الخلل في المسيرة التعليمية ليس في المدارس.. بل في المجتمع الذي خلقه المواطن الأمريكي.. وهو بذلك يتحمل.. أي المجتمع.. وزر إخفاقه في النهوض بالعملية التعليمية بأسلوب جاد.
“وبول كنيدي” يضع يده وبلا شك على أهم معوقات النمو والتطور.. لأي مجتمع كان.. فبدون خطة تعليمية.. متطورة ومتماشية مع العصر ومتطلباته.. والمجتمع واحتياجاته.. ستبقى الأساسات في أي إنجاز هشة.. وآيلة للسقوط والتآكل.. والخطة التعليمية لا تعني فقط إقرار أو فرض نظام ما وحسب.. ما لم ترافقه عمليات تقييم.. وإعادة نظر في النظام المقرر.. على ضوء نتائج التقييم. ولعلّ في ذلك الخلل أساس عجزنا عن النجاح في خلق الفرد القادر على المساهمة والبناء في المجتمع.. والذي من أجله.. ولأجله.. تصاغ كل الأهداف والخطط التعليمية.
في مناقشة للدراسة المسحية للأوضاع التربوية والتعليمية بعد التحرير.. أكد المجتمعون على وجوب زيادة عدد مدارس نظام المقررات في الوطن.. إيماناً منهم بالإيجابيات العديدة لمثل هذا النظام.. على الرغم من كل المؤشرات.. التي تؤكد انخفاض مستوى طالب المقررات عن سواه من طلبة نظام الفصلين.
لعلّ الملاحظة الوحيدة التي بإمكاننا ذكرها هنا.. هي أن نظام المقررات قد نجح فعلاً في زيادة عدد الطلبة الكويتيين الملتحقين بالجامعة.. وذلك لسهولة الحصول على التقديرات المطلوبة لدخول الجامعة من خلال نظام المقررات عنه في نظام الفصلين، إلا أن المتتبع للمستوى التعليمي لطالب المقررات.. سيلحظ بالتأكيد أن تقارير الطالب المرتفعة لا تعكس أبداً مستوى تعليمياً أفضل.. وتلك مسألة بالإمكان متابعتها من خلال متابعة مستوى الطالب في الجامعة منذ أن ابتدأ العمل بنظام المقررات.
قد لا يختلف أحد مع المسؤولين في وزارة التربية على أن نظام المقررات من شأنه خلق وتنمية شخصية الطالب وتشجيع المهارات.. والاهتمام بالبحث العلمي وتدريس أسسه وتطبيقها من خلال عمل البحوث.. وهنا تبرز مشكلة أساسية في هذا النظام.. يفرضها الجانب الاجتماعي – ولا شك للطالب – عموماً في هذا الوطن.. إضافة إلى أبعادها التربوية والعملية.. فالجميع يعلم.. سواء كان طالباً أو مدرساً.. أو مسؤولاً.. أن البحوث التي يكلف بها طالب المقررات.. والتي تعتبر جزءاً من إنجازه العلمي والدراسي.. هي أساساً ليست من جهد الطالب.. وذلك أمر لا يخفى على أي طرف من الأطراف المساهمة في العملية التعليمية فهناك مكتبات عامة.. تعلن وتقوم بعمل البحوث للطلبة في مدارس المقررات مقابل مبالغ مالية تتفاوت بحسب المواد المستخدمة في البحث.. أو ما يسمى بلغة المقررات بالـ (Project).. وعلى الرغم من أن هناك من الطلبة من يحاول استثمار فرصة التدريب على عمل البحث العلمي.. والقيام فعلاً بإنجاز البحث.. إلا أنه يصطدم هنا.. بالتنافس الشره في سوق البحوث.. وينتهي الأمر بالطالب هنا إلى الحصول على تقدير أقل بكثير ممن اشتروا البحث.. وذلك أمر بالطبع ما كان ليحدث لو أن المدرس المشرف يتعامل بجدية كافية مع متطلبات البحث من مناقشة لما ورد فيه.. وتقييم جهد الطالب بناء على ذلك.. أو على مدى استعانة الطالب بالمراجع العلمية اللازمة لإجراء البحث، لا تقتصر مساوئ نظام المقررات على الفرصة المتاحة للطالب في التلاعب على متطلبات المرحلة التعليمية.. وإنما قضت كذلك على مفهوم الالتزام والانضباط المعهود في تلك المراحل الدراسية.. فالطالب في ظل هذا النظام.. بإمكانه الحضور إلى المدرسة في أي وقت بشرط أن لا يتجاوز ساعات الغياب المسموح بها.. إضافة إلى ساعات الفراغ بين الحصص الدراسية.. والتي جردت المدرسة من صورتها النظامية المعهودة.
نظام المقررات.. نظرياً.. مقبول.. لكن الخلل وكالعادة في أغلب خططنا التعليمية.. لا يكمن في التنظير وسن القوانين.. بقدر ما هو تشويه في إجراءات التطبيق.. فتقادير الطالب في نظام المقررات قد تخضع لمعايير ومقاييس.. هي أبعد ما تكون عن المقدرة والكفاءة العلمية..
فلقد أصبح من المألوف لدى الطالب، والمدرس معاً، أن يشفع لقب واسم طالب ما لرداءة البحث أو الأداء العلمي.. وتلك حقيقة بإمكان المسؤولين أن يعودوا للأبناء والأهالي للتأكد منها.. ومن حقيقة عدم الإنصاف في وهب الدرجات تحت ظل نظام المقررات.
نظام المقررات.. هو واحد من خططنا التعليمية الكثيرة.. والتي ما زالت متعثرة.. لأسباب كثيرة.. قد يكون أهمها إغفال البُعد الاجتماعي والاقتصادي لأي عملية إصلاح لنظام التعليم في هذا الوطن، فالأنشطة الفنية في نظام المقررات معروضة في الأسواق.. أما البحث أو الـ (Project).. فيتوارثه الأخوة.. أو الأصدقاء.. واحداً تلو الآخر!!
