الأرشيف

“صفقة المعلم”

[جريدة القبس 14/5/1996]

لا شك أن الحديث في قانون كادر المعلمين الذي أثار جدلاً في الآونة الأخيرة، يعتبر حديثاً حرجاً وحساساً.. خاصة في المرحلة الراهنة والتي يتسابق فيها المتنافسون على المقاعد البرلمانية لكسب ود وقبول المجتمع بأفراده، واستعداداً لخوض المعركة المقبلة في أكتوبر.
غير أننا لن نستطيع أن ننكر أن هنالك ثغرات كثيرة في المشروع أدت، وكما نعلم جميعاً، إلى إحالته رسمياً لمجلس الأمة.. منها ثغرات تتعلق بالجانب الفني لتطبيق المشروع، حيث يخص هذا المشروع فئة واحدة من موظفي الدولة المدنيين، من أعضاء الهيئة التعليمية، بجداول خاصة تحدد رواتبهم وبدلاتهم. هذا بالإضافة إلى تكلفة المشروع المالية والتي تقدر بأربعين مليون دينار!! وذلك بخلاف ما سيؤدي إليه المشروع في حال الموافقة عليه إلى مطالبة فئات وظيفية أخرى في الدولة بزيادات مالية مماثلة.
لم تخطئ العين المراقبة الأهداف والنوايا الخفية وراء مشروع المعلم! وهي أهداف بعيدة كل البعد عن مكانة المعلم، وسلّمه الوظيفي والمالي، مما دفع بالبعض إلى شن حملة مسعورة طالت المتحفظين على المشروع!! وهؤلاء – أي أصحاب تلك الحملة – مسؤولون بالدرجة الأولى عما أثاره رفض المشروع من تذمر وسخط لم يخل من تعبير واضح عن إحساس بالظلم من قبل المعلمين.. وشعورهم الحاد بتقصير وتجاهل الدولة لدورهم!
ففي تسابق البعض المحموم لكسب الود السياسي من وراء “صفقة المعلم”، تجاهل هؤلاء قنوات وإجراءات إصدار القوانين.. واستبقا الحدث، بأن أعلنوا عن “نجاحهم الباهر” في حفظ حق المعلم.. وخرجت الصحافة بتصريحاتهم تذيلها أرقام وحسابات مغرية تصب مباشرة في مصلحة المعلم وصالحه!
لا ينكر أحد على الإطلاق دور المعلم الرائد في تنشئة الجيل ورعاية النشء. كما لا يتجاهل أحد المهمة الجسيمة الملقاة على عاتق المعلم، وحساسية دوره وأهميته. والخطوة التي أمامنا الآن هي إعادة اعتبار لمهنة المعلم، بعد أن شوّهتها سياسات وخطط التوظيف السابقة والتي كانت تشترط أدنى المتطلبات التعليمية لمن يرغب في امتهان التعليم.. ووصل الأمر في أحيان كثيرة إلى تراجع مروع في شروط الشهادة التعليمية.. وبحيث كانت تعادل شهادة الثانوية العامة! وهو ما جعل من هذه المهنة مقصداً للعاجزين عن إتمام تعلّمهم.. وهدفاً لغير الطموحين من أبناء هذا الوطن! وهو أمر صنّف الملتحقين بمعاهد المعلمين ووضعهم في خانة المتواضعين في قدراتهم العلمية.
وإذا كنا الآن قد تداركنا الشروط المتواضعة للالتحاق بسلك التعليم – والتي فرضتها ظروف تلك المرحلة – وذلك بأن أصبح للمهنة الآن شروطها ومتطلباتها العلمية المتشددة. إلا أننا، وللأسف، لا نزال بعيدين كل البعد عن مفهوم وطبيعة التحدي الذي تفرضه وتتطلبه مهنة المعلم.
كان بودنا جميعاً لو أن المنادين بتحسين أوضاع المعلم المالية قد طالبوا أولاً بإعادة الاعتبار للمهنة وإحياء المعلم القدوة والمثل، بعد أن همشه الطارئون على المهنة ممن لا يرون فيها سوى إجازات طويلة.. وتحديات قليلة!!
إن عودة المعلم القدوة، وإعادة التحدي للمهنة ستفرضان عوائد أخرى، قد يرى المعلمون أنفسهم أن أقلها كان عائدها المالي! ولقد وضعنا تلك الصورة المشرفة للمعلم في أشعارنا من قبل.. وكم حدث أن دَعونَا بأن “قف للمعلم وامنحه القليلا” بدلاً من “قف للمعلم وفّه التبجيلا.. كاد المعلم أن يكون رسولاً!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى