الأرشيف

الفرد.. المساهمة.. والوعي المفقود

[جريدة الطليعة 29/10/1997]

تبدأ الأصوات مع كل بداية عام جديد في التذمر والاحتجاج من الطلبات المتزايدة والمستمرة من قبل الإدارة المدرسية، جميعها تدعو إلى مساهمة الأهل بتحمل شيء من أعباء وتكاليف بعض المشاريع التي تقيمها المدرسة.
وتؤازر هذه الأصوات المحتجة أقلام وزوايا، ومقالات، تندد هي الأخرى بتلك الطلبات وتستنكر على الإدارة المدرسية إشراكها لطالباتها وطلبتها في مشاريع تخدم المدرسة بإدارتها وتلاميذها.
هنالك ولا شك وجهتا نظر مختلفتان فيما يتعلق بالطلبات المدرسية، فبينما يتذمر البعض ويستاء من هذه الطلبات هنالك وجهة نظر أخرى ترى في هذه المسألة توعية للطالب وتدريباً له بصورة تعزز لديه الإحساس بمسؤولية المشاركة والمساهمة.
فسلبية المواطن، والتي طالما أبدينا استياءنا منها، وعبرنا عن تذمرنا بها سواء كتابة أم حديثاً لم تأت من فراغ ولا هي بسلوك منفصل أو منعزل عن الأسلوب السائد في بناء وتنشئة الفرد بل لعلها في صلب تكوين الفرد في هذا الوطن وأساس توجيهه وتوعيته سواء من قبل المجتمع والدولة، أو من قبل الأسرة والمدرسة. وتلك سلبية لا شك أننا جميعاً نعيها وندركها من خلال تعاملاتنا اليومية، خاصة الرسمية والإدارية منها، ولعلّ أكثر ما يدعو للأسف هنا أن أكثر الناقدين والمتذمرين من هذه السلبية، هم أنفسهم أولئك الذين طالما أفردوا مقالات مطولة، وخصصوا زوايا كاملة تنتقد وتندد بأي محاولة جادة لإشراك الفرد أو لدعوته إلى المساهمة في أي عمل تطوعي، أو للمبادرة بتحمل أي عبء مالي تعود فيه المصلحة على شريحة ما في المجتمع، وكما هو الحال في مثالنا الأول المتعلق بطلبات الإدارات المدرسية. لا يختلف اثنان على أن المشاركة والمساهمة سواء كانت جهداً أم مالاً، لا شك تخلف إحساساً قوياً بالمسؤولية، كما تعزز مشاعر وأحاسيس الانتماء ومن هنا فإن مساهمة الطالب بأي مبلغ كان لتجميل المدرسة أو الفصل أو حتى لشراء أجهزة أو مواد تكميلية لمدرسته ستخلق عنده إحساساً بالأهمية، وبدوره ومساهمته في ما يراه حوله من جمال، أو فيما يستخدم من أجهزة أو أدوات، وإذا كانت حجة المدافعين عن (حقوق) المواطنين في الامتناع عن دفع الطلبات المدرسية هي في ضعف مقدرة البعض على تلبية تلك المبالغ المالية المطلوبة فإن بالإمكان استثناء هؤلاء من تلك المصاريف. وإن كان هؤلاء حتماً لا يشكلون أغلبية، على الأقل في بلد يعتبر دخل الفرد فيه من أعلى المعدلات في العالم.
مما لا شك فيه أننا لن نستطيع أن نعزل مفهوم مساهمة الطالب هذه ومغزاها، عن مسألة العمل التطوعي والمساهمة الفردية بشكل عام؛ خاصة وإنا قد أصبحنا الآن في أمس الحاجة إلى تنبيه وإيقاظ ذلك الإحساس والشعور لدى المواطن، بعد أن قاربت سنوات الرفاه والوفرة على الانتهاء، وأصبحت الدولة بحاجة حقيقية إلى مساهمة المواطن في تحمل بعض من المسؤولية، وشيء من نفقات الخدمات بكافة أشكالها.
لقد تلقى المواطن، إشارات الدولة وتلميحاتها لوجوب مساهمة الفرد في تحمل بعض من تلك الأعباء والنفقات، تلقاها المواطن ببرود وبلا مبالاة، لم تخل في أحيان كثيرة من احتجاج وتذمر. وبحيث جاءت كل محاولات الدولة للحديث عن مشاريع فرض ضرائب رمزية على بعض الخدمات المجانية التي يتلقاها المواطن، جاءت مصحوبة بموجة غضب شعبية عارمة، ورفض عنيد عن الالتزام بأي ضريبة تفرض على العلاج أو الدواء أو التعليم. وتلك بلا شك ردة فعل طبيعية ومتوقعة من المواطن لأسباب لا علاقة لها بضعف في قدراته المالية، بقدر ما هي لأسباب تعود وبصورة مباشرة إلى عوامل غياب الوعي والإدراك لدى المواطن حول ضرورة المساهمة وأهميتها في تعزيز الانتماء، والدور الفردي بشكل عام.
إن الأسباب التي تحكم الممتنعين عن المساهمة في الطلبات المدرسية، أو التي تدفع بالأقلام المدافعة عن (حقهم) في ذلك الامتناع هي بلا شك أسباب متأصلة ومتجذرة في صلب تكوين الفرد في هذا الوطن، ودور الدولة في هذه الحالة، لا يكون بالإعلان عن عزمها على فرض الضرائب، والالتزامات المفاجئة والغريبة عن طبيعة تنشئة المواطن، بل يأتي دورها في تنمية الإحساس بمسؤولية المساهمة قبل كل شيء، في خلق الوعي المطلوب لتفهم وإدراك تلك المسؤولية، والمغزى من ورائها، ولعلّ أكثر الميادين رحابة وسعة لغرس بذور ذلك الوعي هي المدارس ودور التربية والتعليم. والتي تشكل، بلا شك، الحضن الأول والأهم في تنمية وغرس كل ما يدخل في بناء الفرد وتنشئته!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى