
لا ينكر أحد أن للربيع العربي فوائده التي دفعت بوعي جديد، أصبح سائداً على العقلية العربية بشكل عام.
وإن كان الوقت لايزال مبكراً للحُكم على إفرازات بركان الرفض العربي، لكن هناك مؤشرات كثيرة توحي بإيجابيات سيجني العالم العربي ثمارها مستقبلاً.
فالحريات أصبحت تتسم بقدسيتها الواجبة، والديمقراطية أصبحت هدفاً يتوق إليه الجميع، والمرأة تكاد تحطم أغلال القهر والاستعباد والظلم.
وعلى الرغم من صعود تيارات الإسلام السياسي، وخصوصاً الإخوان المسلمين منصة القيادة في أكثر من عاصمة عربية، فإن الجميع، وبمن فيهم قيادات تلك التيارات، يدرك بأن العالم العربي أصبح يتكلم الحرية بطلاقة، وأن استدراجه إلى أقبية التخلف والخرافة لم يعد ممكناً، ولا سهلاً، كما كان عليه الوضع في السنوات الماضية.
ولعل أبرز ما لمسناه في صحوة العالم العربي الجديدة والحقيقية، يكمن في كسر الطوق عن البحث في أمور دينية رسخها فكر الإسلام السياسي، ومن دون أن تكون لها مرجعية ثابتة ودقيقة في التشريع والدين.
منذ أن تسلل الإسلام السياسي، واحتل الفراغ الذي أحدثه تراجع التيارات الليبرالية والقومية والتقدمية، إثر هزيمة العام 1967. منذ ذلك الوقت وهو يفرض مشاريعه المتخلفة، والتي لا تحاكي روح العصر ولا منهاجه. فالتعليم أصبح أداة تلقين خالية من الإبداع والفكر الحُر، والاقتصاد ومؤسساته تحوَّل إلى دار إفتاء وتطهير زائف لأموال الإسلام السياسي، التي أصبحت تضاهي أموال ومقدَّرات دول بأكملها.
أما التربية الوطنية، ومؤسسات تربية ورعاية الشباب، فقد تحوَّلت إلى معسكرات ونوادٍ ومخيمات تعمل على تأمين الانضباط والالتزام في صفوف تيارات الإسلام السياسي، وبشكل تلقيني بحت. أما العقيدة والدين، فقد تحولا إلى ملكيات خاصة، لا أحد يملك الخوض فيهما من خارج أسوار تلك التيارات.
اليوم، يأتي الربيع العربي، ليفرض شروط التغيير، وليفتح ملفات كانت محظورة، بفعل هيمنة الإسلام السياسي، وتصبح قضايا جدلية، كحجاب المرأة، وولايتها، والنقاب والمعاملات البنكية والاختلاط.. وغيرها الكثير، قضايا مفتوحة للحوار، بعد أن كانت محرَّمة، وفقاً لمعايير تلك التيارات.
أذكر أنني كلما كتبت في الحجاب وجدلية فرضه، أواجه بسخط وغضب وتكفير، وذلك لكونه من الأمور المحظور الخوض فيها، حتى وإن كان ما أكتبه مستمد من الشريعة وتاريخها. اليوم، أتابع مثل هذه الحوارات التي أصبحت مفتوحة على الفضائيات وفي الصحافة، بل إن بعضها يأتي بمشاركة رجال دين ومشايخ كسروا الطوق وخرجوا بالعقل إلى حيث الحوار العلمي البناء.
إن الحرية هي أساس كل ما يشهده العالم من حولنا من تقدُّم وحضارة ورفاه وأمن، ومن دونها تصبح الدولة مجرَّد سجن كبير، ويكون الرأي فيها هلامياً، لا صدى له ولا أثر.
والعالم العربي اليوم أتقن، ولا شك، الحديث بحرية، وأصبح يتكلمها بطلاقة، وتلك أول تباشير التغيير والنهضة، وتبقى في النهاية تقنية البقاء للإصلاح لتشكل المعيار الأول والوحيد في اختيار الأمم لمصلحيها.
