الأرشيف

رأي في “ازدراء الأديان”!

[جريدة القبس 14/6/2016]

أتنفَّس الصعداء كلما صدر حكم براءة من تهمة “ازدراء الأديان”، ليس فقط تعاطفاً مع “المتهمين”، بقدر ما هو خوف من الانغلاق الفكري والعقلي الذي أصبح يهدّد بالفعل الوعي العربي بشكل عام!
تقرير منظمة فريدوم هاوس مؤخراً- وهي المنظمة التي تعنى بحقوق الإنسان- أشار إلى أن قوانين “ازدراء الأديان” غالباً ما تستغلها دول لقمع حرية التعبير أو حرية الأديان.
واستشهد التقرير بقوانين ازدراء الأديان في اليونان التي تستخدم فقط في مقاضاة حالات تنطوي على ازدراء الكنيسة الأرثوذكسية!
أما في مصر فتستخدم مثل هذه القوانين حجةً لمطاردة المدوّنين “المشاغبين” سياسياً، وهو بالتحديد ما تستخدمه الحكومة هنا في الكويت لقمع نشاط المغردين والمدونين والكتّاب “المشاغبين”!
قطعاً نحن لا نملك حتى الآن مفهوماً محدداً لمسألة “ازدراء الأديان”. وأكاد أجزم بأن الخروج بإطار واضح ومحدد لمثل هذا المفهوم مسألة صعبة ومعقّدة؛ فإذا كنا -المسلمين- لا نملك حتى الآن ومنذ غياب الرسول c رؤية ومنهجاً واضحين وموحدين للدين بدليل تفرقنا طائفياً ومذهبياً، واختلاف تأويلنا للنص القرآني، وصراعنا حول المرجعية الدينية، وحروبنا الدينية، واختلافاتنا الفقهية التي وصلت إلى صغائر الأمور، وليست الأحكام الجوهرية في الدين، إذا كنا كذلك، فكيف يمكن أن نشرّع قانوناً لازدراء الأديان؟ أي مذهب وأي طريقة وأي فتوى وأي مرجعية سنستند إليها في أحكامنا وقوانيننا إذاً؟!
واضح أن قوانين ازدراء الأديان ليس المقصود منها الغيرة على الدين، بقدر ما هي أداة مناسبة تستخدم لقمع الفكر، وبحيث أصبحت حجة وسلاحاً لتأديب “المشاغبين” وترويع الجماهير. أما الكثير من مشايخ التكفير فلن يجدوا أفضل من تهمة ازدراء الأديان التي لا تقل في أثرها عن سلاح الإرهاب والقتل المباشر، لمطاردة كل من يخالفهم الفكر، وكل من يحمل فكراً مستنيراً يهدد مكانتهم ويناقض فتاواهم ومشيختهم!
إذا كان هنالك من يستحق بالفعل أن تطلق عليه تهمة “ازدراء الدين” فهم بعض شيوخ الصحوة الذين شوّهوا الدين لدى الشباب وأوهموهم بأن التقرب من الله تعالى لا يكون إلا بالموت في مغارات أفغانستان، أو في وحل “داعش”! هؤلاء هم من يستحقون العقوبة فعلاً، وكل من استخدم منبر المسجد للتحريض على كراهية الآخر وتدميره واتهامه بالكفر والردة!
المشكلة اليوم مع مؤيدي قوانين “ازدراء الأديان” أنها خلقت حالة من التربص بهدف الملاحقة أكثر بكثير من كونها بهدف حماية العقيدة أو الدفاع عن الدين أو المعتقد!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى