
من روسيا إلى اليمن، ومن سوريا إلى فرنسا، ومن العراق إلى أمريكا، ومن أفقر قرية في أدغال أفريقيا إلى أغنى مدينة في أوروبا، تبقى السياسة والسلطة واحدة، أدواتها وأهدافها وطرقها ومتاهاتها ودهاؤها واحدة في كل الحالات، لا تختلف في ذلك دولة ثرية وأخرى فقيرة، أو أمة متعلمة وأمة جاهلة، في السياسة والسلطة تتشابه الوسائل والأهداف في كل مكان إلى حد التطابق. وإذا كنا في الماضي، أو بالتحديد في حقبة ما قبل الآيفون، بعيدين إعلامياً وجغرافياً عن مثل هذه الحقيقة، فإن إعلام التّك تُوك والواتس أب والفيسبوك وغيرها اليوم قد قرّب ما كان بعيداً، وجعل الصورة الحقيقية للسياسة والسلطة أكثر وضوحاً وأنصع بياضاً، ليس بمعنى النقاء هنا، وإنما بمعنى البروز واتضاح الصورة، وبشكل لم يعد خافياً على أحد.
إعلام الحروب في كل مكان يتحدّث كاذباً بأن هدفه الأول من وراء الحرب هو تحقيق الاستقرار السياسي. وبالرغم من كل الدروس التي وفّرها التاريخ، التي تنص صراحة على أن الاستقرار لا يمكن أن يتحقّق بالقمع والغطرسة، ولا بإمكان الترسانات العسكرية، مهما بلغ حجم تفوّقها، أن توفّره، بل لن تتمكّن أي قوة مادية، اقتصادية كانت أو عسكرية، أن توفّر استقراراً ما لم يسبقه استقرار سياسي يُوَلّد أولاً بُنية اجتماعية وثقافية وسياسية متينة وصلبة، قائمة على الثقة المتبادَلَة بين السلطة والمجتمع وبوسائل سلمية وديمقراطية تصون الحريات وتكفل كرامة الأفراد وتدافع عن الحقوق، وبشكل تكون معه قيمة الاستقرار متوافقة وليست متناقضة مع قيمة الحرية وحقوق الإنسان.
مثل هذا الواقع لم توفّره أي حرب شنّتها البشرية، كما لن تستطيع أي حرب مستقبلاً أن تحققه. لكن، وبالرغم من استقرار مثل هذا الاستنتاج لدى الجميع سلطة ومواطنين، فإن الحروب والقمع والغطرسة والترسانات العسكرية الضخمة والأجهزة الأمنية الاستخباراتية المتطورة لا تزال في مقدمة أدوات أهل السلطة والسياسة، ولا يزال الحمقى منهم يرون أن تحقيق الاستقرار السياسي يعني مباشرة تكديس المزيد من الأسلحة، وتدريب الأجهزة الأمنية والاستخباراتية لضبط الخارجين على السلطة، وبشكل أفرز واقعاً دولياً بائساً وغبياً، تتشارك فيه الدول “المتقدمة” مع الدول “النامية”.
بالإمكان إسقاط مثل هذه الرؤية المغلوطة لمفهوم الاستقرار السياسي على الكويت، خصوصاً في ظل إفرازات الانتخابات الأخيرة، وما صاحبها من تشكيل حكومي، انقسم الناس حوله بين كونه يُشكّل بداية لملامح مصالحة سياسية توفّر استقراراً أكبر، وبين كونه بداية لمرحلة تأزيم جديدة ومختلفة، لكنها قد تكون متعارضة مع مفهوم الاستقرار السياسي الحقيقي، والذي بالإمكان أن توفّره مصالحة سياسية تنطلق أولاً من تفاعل سياسي بين النخب السياسية وبشفافية، يتم فيها فتح كل الملفات، وبشكل يضمن عدم الانحراف مستقبلاً، بمعنى آخر تبدأ المصالحة من الأعلى، وذلك حتى تخلق يقيناً وثقة لدى المواطن بجدوى تلك المصالحة ومردودها المباشر على كل الشؤون المشتركة، ومن دون هذا المعيار الأساسي في أي مصالحة ستبقى كل الجهود هشة وعرضة للانقلاب مستقبلاً.
الاستقرار السياسي بلا شك هو هدف تطمح إليه كل المجتمعات البشرية، لكنه يبقى دائماً مشروطاً بمصالحات وتعهدات شهد العالم بعضاً منها في أعقاب كل حرب، خصوصاً مع نهاية الحرب العالمية الأولى، وولادة المنظمات الدولية الراعية عادة لمثل تلك المصالحات والتعهدات، وعلى الرغم من أن المجتمع الدولي قد أقام محاكم لمحاسبة المتسببين في كوارث الحروب، فإن المحاسبة بقيت في يد القوي فقط، ولم يحصل الضعيف منها إلا على الفتات، فكانت تجسيداً لعدالة المنتصر وحده، ولم تؤمّن استقراراً سياسياً فعلياً بدليل استمرار الحروب ونزفها.
ربما وبسبب تلك العدالة المنقوصة بقيت ملامح الاستقرار السياسي في العالم متأرجحة بين التأزيم والهدوء، ولا فرق يُذكَر في هذا الصدد بين بغداد أو باريس، ولا بين سوريا أو روسيا، ولا أمريكا والسودان. فعدالة المنتصر في كل الحالات هي من تفرض شروط المصالحة في سبيل تحقيق الاستقرار السياسي المنشود.
