
أيها الشرطي: لم تجلد الأبرياء؟
أيها الموظف: لم تبتز الغرباء؟
أيها البريء: لم لا تصرخ في وجه مضطهديك؟
أيها القاضي: لم تصدر أحكاماً لا تؤمن بعدالتها؟
أيها الممثل: لم تقبل أدواراً تخجل من ذكرها؟
– نريد أن نعيش.
أيتها الملعقة أنت عدونا.
أيها الرغيف أنت وثيقة الاستسلام التي تقدم لنا كل صباح.
أيتها اللقمة الصغيرة أنت “إسرائيل الكبرى”.
كلمات للأديب السوري “محمد الماغوط”.. تذكرتها ونحن نحيي ذكرى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.. فالذكرى تمر هذا العام وقد أصبحنا أكثر التصاقاً وإيماناً بحقوق الإنسان.. بعد أن أدركنا كم هي قاسية ومجحفة بحق الإنسان تلك الانتهاكات التي كان يمارسها جيش النظام.. وكم كنا بشراً بلا كرامة ونحن نقتل لأجل القتل.. ونودع السجون من أجل ورقة تدعو للصبر والتوكل على الله. ولكن ما هو واقع حقوق الإنسان.. في عالمنا العربي.. حيث لا يزال النضال الأهم والصراع الأبدي في سبيل تأمين لقمة العيش.. وكسوة البدن.. ولا تزال ممارسات الاضطهاد والقمع والإرهاب والحجر على الحريات الأساسية التي تكفلها الدساتير والشرائح والأعراف الدولية.. حق تمارسه أنظمة عربية كثيرة… وتدين لها شعوبها بذلك الحق.. والمواطن العربي لا يزال مشغولاً بالمطالبة بحقه بالرغيف.. وبجدار يستند إليه حين يلقي به نهار العمل خاوياً إلا من حقه أن يسترجع أنفاسه.. أما حقوقه الأخرى.. فولاة أمره أدرى وأعلم بما يحق وما لا يحق له.
إن المطالبين بحقوق الإنسان في عالمنا العربي.. إنما يبدلون مسيرتهم من نهاية الطريق في محاولاتهم إقناع المواطن العربي الجائع بأن له حقاً في المسؤولية.. وله حرية القرار.. خاصة وأن أنين الجياع يزداد في هذا الوطن.. وضحايا الأمية والجهل في تزايد.
إن حقوق الإنسان وحرياته ليست تصوراً خيالياً.. ولا مادة خصبة لإلقاء المحاضرات وعقد الندوات بشأنها.. ولن تصبح أبداً واقعاً عملياً وملموساً.. ما لم تطل أولاً الحقوق الأساسية للإنسان.. فالمحروم من حاجاته الأساسية لا يمكن أن يكون حراً.. وحيث أن الحرية لا تشترى ولا تباع ولا توهب.. فإن أي محاولة لإقناع الفرد بحقه في أن يكون حراً وهو جائع دون أن يضمن الاستجابة لحاجته للغذاء.. هي تجارة بذلك الاقتناع والحق. فما زالت الحريات والحقوق تشترى ولا تعطى في عالمنا العربي.. فمن يملك.. يستطيع أن يشتري حقه وحريته وإن كان سجيناً.. فميزان العدل في وطننا الكبير يكيل بمكيالين.. وما زال المجرم في عالمنا العربي قادراً على تبرير كل جرائمه بسيطرته على العدل والقوانين.. فلا عجب إذا تمت معطيات كهذه أن يصبح حق التعبير والمشاركة والانتخاب ملك “مشاع وحق” وقف على ذلك الشبعان.. المكتسي.. المهيىء له جميع وسائل الراحة والأمن.. لتبقى حرية الفقراء والمحرومين وحقهم رهن إرضاء حاجاتهم الأساسية كبشر.
لقد جاء الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.. والذي تبنته الجمعية العامة للأمم المتحدة في العاشر من ديسمبر 1948.. في عام انتهكت فيه حقوق شعب بأكمله.. حيث أعلن في نفس العام عن قيام الدولة الصهيونية في فلسطين.. ومن نفس العام أيضاً بدأت سلسلة انتهاكات حقوق الإنسان من جانب الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا لتتحكم في مصير الغالبية السود أصحاب الأرض الشرعيين.. في أعقاب انتهاء الانتداب البريطاني على هذه الأرض.. هكذا بدأ دعاة حقوق الإنسان مسيرتهم.. فبعد الإعلان.. بدأ سباق التسلح.. والتنافس على إنتاج أسلحة الدمار الشامل.. وخلق الكوارث والمآسي لضمان تسويق كل ذلك الكم من السلاح.. هكذا بدا دعاة حقوق الإنسان نضالهم.. وسط تسابق محموم أحمق بين الدول الرائدة لذلك الإعلان بغية السيطرة على العالم.. واستعباد الإنسان فيه.. تفننت كل تلك الدول على اختراع أحدث أسلحة الدمار.. والتوسع في التجارب النووية والتي ستضمن حق الحياة لبعض الشعوب في هذا العالم حال انفجار حرب نووية.. فأين هي حقوق الإنسان وسط هذه الحملات اللاإنسانية التي تعمل على إبادة الإنسان وتهديد حياته ناهيك عن حقوقه.
إن حقوق الإنسان كل لا يتجزأ.. فحقوق إنسان أمريكا.. هي ذاتها حقوق إنسان الفلبين.. وإنسان العراق.. وانطلاقاً من إيماننا بوجوب شمولية تلك الحقوق.. فلا يحق لنا أن نقول أن حقوق الإنسان قد انتهكت حين شرع النظام العراقي بغزو الكويت.. وما تبع ذلك من معاملات وحشية للمواطنين في هذا الوطن.. فمعاداة النظام العراقي للمبادئ الأساسية للحرية.. واحترام حقوق الإنسان لم يكن أمراً خافيا.. ولم يضف غزو النظام العراقي لهذه الممارسات أي جديد لم يكن معروفاً من قبل لدى أولئك المؤازرين للإنسان وحقوقه..
ما زال مستمراً في مذابح الإنسان وتجويعه وتشريده في الجبال في شمال العراق.. والنظام الدولي الجديد.. والمنادون بحقوق الإنسان ما زالوا متفرجين يدينون تلك الممارسات في المحافل الدولية.. فلا أحد يملك الحق في التدخل في شؤون داخلية لدول أخرى.. وهو أمر منطقي..
إلا أنه من اللامنطقي واللامقبول أيضاً أن تستمر العلاقات في الأسرة الدولية قائمة مع دول تستند في وجودها إلى الإرهاب والقمع والقتل.. وتجهل أبسط حقوق الإنسان. ولا يمكن أن تصدق النوايا إلا برفع الظلم والاستعباد عن الإنسان في كل مكان من هذا العالم.. ليصبح احترام مبادئ حقوق الإنسان هو الأساس لانتساب أي دولة للمجتمع الدولي.. ونبذ تلك الدول التي يتعرض الإنسان فيها للحجر والتمييز والإرهاب عبر قوى القمع البوليسية.
إن الدعاية التضليلية لحقوق الإنسان.. وفي ظل ممارسات وحشية بشعة لأنظمة كالنظام العراقي.. أصبحت بحاجة للبراهين حتى تكفل حقيقة وصدق دعاوى الحرية والديمقراطية التي تشدق بها دعاة الحقوق في هذا العالم.
أما نحن في هذا الوطن العربي الكبير.. فستبقى حقوق الإنسان وهماً وحلماً نحاول أبداً تصديقه.. فلن يكون بمقدورنا إقناع الإنسان العربي بأن له حقاً في أن يكون له رأي.. وهو جائع – أو جاثٍ على ركبتيه.
