غير مصنف

حوار مع الأخلاق

[جريدة القبس 20/3/1995]

لا نريد أن ندخل هنا في جدل حول مدى حقيقة أو مشروعية ما ذكره السيد “عيسى الشاهين” الناطق باسم الحركة الدستورية الإسلامية في حواره الذي أجرته معه جريدة “الأنباء” والذي أدى مع غيره من لقاءات مع شخصيات أخرى إلى تعطيل جريدة “الأنباء”.. وإنما نريد هنا أن نتأمل معاً كلمات الكاتب اليومي عبداللطيف الدعيج في تعليقه على ما حدث!! حيث يرى الدعيج في ما حدث تجاوزاً لحدود المعقول وبأن حديث الشاهين قد دخل في خانة المحظور نشره وتداوله.. وهو “في النهاية تطرف في استخدام حرية التعبير وحق النشر”!!
فقد أثار حديث الزميل عبداللطيف الدعيج.. وهو من أشرس المتحمسين لحقوق التعبير.. والرأي.. ولحرية النشر والاعتقاد أثار جدلية الحقوق بشكل عام ومدلولاتها الأخلاقية.. وأبعادها المعرفية!! وجذورها الاجتماعية!!
فعلى الرغم من أن دساتيرنا تتعهد باحترام الحقوق الفردية في التفكير والاعتقاد!! وبالرغم من أن أدبياتنا تتغنى بحق الرأي.. والحوار.. ومشروعية المجاهرة بالاعتقاد والرأي سواء بالنشر.. أو بالتصريح علناً!! فإن موروثاتنا الثقافية ولا شك تقف عاجزة أمام التطبيق الفعلي لتلك التشريعات والقوانين النظرية، التي نستند إليها في محاولة استخدام ما تتضمنه من نظريات في الحرية.. وحق الاعتقاد والتعبير والرأي!!
وقد لا يكون ذلك الجدل من نصيبنا نحن وحسب.. فلقد خاضت مجتمعات كثيرة قبلنا في جدلية الحق والحرية.. قبل أن تدرك مغزييهما الحقيقيين.. وتخرج بتطبيق فعلي يحفظ كيان المجتمع من دون المساس بمقدسات الحرية الفردية!!
مبعث جدلية الحقوق، أياً كان مرماها، هو في كونها ذات مردود وتأثير جماعي.. لا يمس الفرد وحسب.. وبالتالي فهو لا يخص الفرد وحده!! فعمليات التفكير والاعتقاد وإبداء الرأي، ليست بمجملها عمليات فردية مطلقة!! فالفرد لا يفكر ولا يعتقد إلا ضمن إطار إجتماعي!! وما يعنيه ذلك من حقيقة امتداد الآثار الناتجة عن عملية التفكير والرأي والمعتقد للفرد!! وهو الأمر الذي دفع بالكثير من علماء النفس.. والاجتماع والفلسفة.. إلى البحث في مشروعية وضع الحدود الكفيلة بتنظيم تلك الأنشطة الفردية!! ومن دون المساس بجوهر الحق في تلك الحريات!! وبحيث استقرت أغلب تلك الآراء عند وجوب الفصل بين حق الفرد المطلق في التفكير والتعبير وبين حقه في التفكير دون إرهاب أو عنف أو تهديد!!
بعض الذين يؤيدون حق المجتمع في رسم الحدود الأخلاقية للحقوق الفردية.. ينطلقون في قصورهم هذا من شمولية الآثار التي قد تترتب على سوء استخدام تلك الحقوق.. والتي لن تقتصر على الفرد وحسب!! وبذلك فهم يؤمنون بحق المجتمع في المحافظة على كيانه من أفكار وآراء قد تثير فتنا اجتماعية.. وقلاقل تضر بالمجتمع وبأفراده!!
وهو الحق الذي استند إليه الكاتب عبداللطيف الدعيج في نقده لما أثاره عيسى الشاهين.. بكونه تطرفاً في حرية التعبير والنشر.. ودخولاً في خانة المحظور تداوله!!
لا نرمي من وراء هذا المقال.. إلى مساندة الشاهين في رأيه واعتقاده.. ولا إلى نقد الدعيج في ما ذكره من اعتراض!! فكلا الطرفين يمثلان جانباً من الإدراك الأخلاقي العام للحقوق والحريات في هذا الوطن!! وإن كنا جميعاً وبكل تأكيد.. لا نتصور أن أفكاراً أو آراء بامكانها إشعال فتنة.. ما لم تكن لتلك الفتنة بذور كامنة في البناء المجتمعي!! فإشعال الفتنة ولا شك يحمل في معناه.. وجودها.. والذي لا يلغيه تجاهلها.. كما ولا يثيره نقدها!!
إذا ما أيقنا أن الحقوق بوجه عام تعتبر مسألة جدلية.. فإن الضوابط التي تحدد أطرها هي كذلك مسألة لا تقل جدلية عن الأولى!! خاصة في مجتمعات العالم الثالث.. حيث يستمد الطغاة.. وأعداء الحريات.. شرعيتهم من حقهم المطلق في تحديد تلك الضوابط!! وهو الأمر الذي يجعلنا نتخبط في تعريفاتنا.. وتسمياتنا!! إلى درجة اعتبار الحديث عن الحريات والحقوق.. حديثاً سياسياً.. لا حديثاً أخلاقياً مجرداً!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى