
تذكرنا معارك التصفيات الساخنة والدائرة حالياً بين المختلفين فكرياً وسياسياً بقصة التحرش الجنسي التي اتهم بها الرئيس الأمريكي في العام الماضي!! فبعد أن أدين الرئيس “كلينتون” وكسبت متدربة البيت الأبيض دعواها اشتعلت في أمريكا كلها حمى الشكاوى المتعلقة بالتحرش الجنسي. وأصاب هوس التحفظ جميع العاملين من مدراء وموظفين سواء في القطاع الحكومي أو الخاص، وذلك لصعوبة تحديد أو تعريف التحرش بدقة خاصة بعد أن أصبح أسلوباً استعانت به نساء كثيرات للنيل من أعدائهن!!
وسواء كانت تلك التصفيات صادرة عن مجلس الوزراء من خلال قرار بإيقاف جريدة “السياسة” أو كانت في حبس الدكتور “البغدادي”!! وسواء جاءت من الأساتذة الكويتيين في الجامعة ضد مجلة “سمرة” أو كانت من مواطنين ضد أستاذ جامعي وكما هو حال الدعوى المرفوعة من أحد المواطنين ضد الدكتور “شملان العيسى”!! فإنها جميعها تلتقي عند قضية واحدة مشتركة، وهي في احتمال الاختلاف والخلاف في تأويل وفهم النصوص دينية كانت أو وضعية وفي الاستئثار بالحق في تأويل تلك النصوص وكما هو حال المادة 35 مكرر من قانون المطبوعات الذي يعطي “لمجلس الوزراء الحق في تعطيل الجريدة لمدة لا تتجاوز سنتين أو إلغاء ترخيصها إذا تبين أنها تخدم مصالح دولة أو هيئة أجنبية أو أن ما تنشره يتعارض مع المصلحة الوطنية”!! وهو بلا شك نص مطاطي قابل للتمدد بحسب الظروف السياسية القائمة!! وبحسب المزاج السائد فمن يملك تحديد “المصلحة الوطنية” بدقة وحياد وبصورة تؤهل ممثل هذا النص الاستمرارية المطلوبة في القوانين، وتكفل له العدالة في التطبيق؟!!
إن قوانين كهذه لا شك تؤكد خشيتنا وتخوفنا من مواجهة وتحمل مسؤولية الإقرار بالديمقراطية والعمل بها، وتأتي كدليل صارخ على خوفنا من الرأي الحر، وعدم ثقتنا بمقدرتنا على الالتزام بأدب الحوار وشروطه وإجابة الرأي بالرأي!! ومن ثم فقد خلقنا لأنفسنا خط رجعة إذا ما نحن عجزنا أو فشلنا في مقارعة الحجة بالحجة!!
لقد خلق استخدام الحكومة لـ (حقها) في المادة 35 مكرر جواً ملغماً بالشائعات والاجتهادات حول الأسباب التي دعت الحكومة إلى إثارة مثل هذا المناخ المشحون والحرج. فالبعض يرى أنها – أي الحكومة – تحاول أن تبرهن حيادها تجاه الصراعات السياسية الدائرة بين الليبراليين من جهة وبين جماعات الإسلام السياسي من جهة أخرى!! خصوصاً بعد أن أدانها نهجها المنحاز لصالح الجمعيات والتكتلات الدينية، وأثبتت في أكثر من موقع وحدث قدراً كبيراً من التحيز والدعم لأقطاب الفكر السياسي الديني ومؤسساته!!
فأصحاب هذا الرأي يرون أن الحكومة تسعى من خلال إدانتها لأطراف من كلا التيارين إلى إعادة رسم لسياستها ودورها، ينفي عنها بذلك بعضاً مما ألحق بها ومما اتهمت به من عدم حيادية وتحيز!! وأيا كانت الأسباب فمن اللامقبول أن يكون القربان هو حرية الرأي والنشر، وأن تحقق الحكومة مكاسبها وطموحاتها على حساب حق المواطن في التعبير والقول!! وأن يكون الضحية دائماً مستقبل الوطن الديمقراطي، وثوابته الممثلة بالحرية والعدالة وحقوقه التي اكتسبها بفضل نضاله ونضال الأولين من رعاة الديمقراطية وبناة هذا الوطن ومؤسسيه!!
لقد أحرجت مثل هذه التصفيات السياسية التي سادت مناخ الوطن مؤخراً، العدالة والقضاء حين اقتحمتها وجعلتها طرفاً في تلك النزاعات!! فعلى الرغم مما يتمتع به القضاء الكويتي من عدالة ونزاهة يشهد لهما الجميع، إلا أن إقحامه في مثل هذه النزاعات سيؤدي إلى طغيان السياسة في ميزانه القويم!! وهو أمر لا شك يتحمل مسؤوليته الجميع وتطالنا جميعاً تبعاته من دون استثناء!!
وإذا كان التيار الديني قد استمد حجته في إدانة خصمه الليبرالي من فهم وتأويل شخصي لبعض النصوص في الشريعة والدين، فأدان الدكتور “البغدادي” بناء على تأويل وفهم للفظ اللغوي المستخدم وبكونه يحمل إساءة لذات الرسول الكريم!! فإن الحكومة ممثلة بمجلس الوزراء قد أدانت التيار الديني بفهمها وتأويلها لحديث “حامد العلي” عن الدور الأمريكي في حقوق المرأة السياسية بكونه يحمل إساءة للذات الأميرية!! ومن ثم يتعارض مع المصلحة الوطنية!!
غير أن ما يؤسف حقاً أن المغزى والهدف من وراء حرب التصفيات هذه لا علاقة مباشرة له، لا بالمصلحة الوطنية، ولا بمصلحة الدين والشريعة.
