الأرشيف

لا تغيير دون ألم

[جريدة  القبس 14/11/1999]

للهجرة في التاريخ البشري بشكل عام أمثلة كثيرة، اختلفت مع اختلاف الظروف والدوافع التي أدت إليها، ولقد عرف أهل هذا الوطن الهجرة في سبيل طلب الرزق، والبحث عن العمل، وذلك قبل أن يتفجر نعيم الذهب الأسود ويسود الرضا الذي عزز الاستقرار لديهم، ثم مارسوا الهجرة القهرية حين حاصرتهم فلول جيش النظام العراقي وأجبرتهم على الشتات في أرجاء المعمورة.
الآن، وبالتحديد في أعقاب كارثة الغزو، تلوح في أفق هذا الوطن، وتحاصر خيالات مجموعة كبيرة من أبنائه رؤية جديدة في الهجرة وأسبابها، يبدأ معها بعض ممن أرهقتهم ظروف الكبت السائدة، ومحاولات حجب الآراء الحرة ومحاصرتها، في شد الرحال باتجاه فسحة أكبر من الحرية، ومناخ أكثر صحة وعافية! وتسود الوطن موجة مخيفة ومقلقة من الهروب تمارسه مجموعة من المتميزين علمياً وفكرياً، فنياً وثقافياً، ممن ضاقت بهم مساحة الحرية في هذا الوطن وسجنهم إرهاب المتعصبين للرأي الواحد من الذين يخيفهم، بل ويرعبهم، أي إبداع أو خروج عن المألوف أو أي فكر متجدد حديث، ونحن هنا لا نسعى لأن نبرر لهؤلاء المهاجرين الجدد هجراتهم مهما كانت الدوافع ومهما بلغت قسوة الأسباب وعنفها! فالهجرة بهذه الصورة تحمل في طياتها إذعاناً للفشل، وإعلاناً عن الهزيمة أمام الأسباب والمتسببين في تلك الهجرة.
ففي حديث أدلى به لجريدة “الرأي العام”، يؤكد من خلاله الدكتور شملان العيسى عزمه على الهجرة إلى الولايات المتحدة بعد أن طالته معاول التكفير، واتهم في دينه وعقيدته، فرفع أحدهم قضية ضده بتهمة الإساءة إلى الدين الإسلامي!
والأستاذ الجامعي الدكتور شملان العيسى يقدم لنا هنا نموذجاً لذلك التوجه الذي أصبح، وبكل أسف، شبه سائد، مع كل ما يعنيه ذلك وما يحمله من تهديد لبنية المجتمع الثقافية والعلمية التي شيدها بناته على مدى أكثر من أربعة عقود من التعليم والممارسة الحرة للرأي والتعبير، ومن الديمقراطية النزيهة.
إن الحرية التي يتوق إليها الدكتور شملان العيسى وغيره من المثقفين والمفكرين، لا تأتي دون ثمن، كما أن التغيير لا يكون دون عمل وجهد ونضال، وهو ما أكده الدكتور شملان في حديثه حين استشهد بجهود الشيخ يوسف بن عيسى في الدعوة إلى التعليم الحديث، حين دعا، وهو رجل الدين، إلى ضرورة تدريس اللغة الإنكليزية والعلوم الحديثة، وليس القرآن والحساب فقط، وكيف اتهمه الناس آنذاك بالكفر، وبأن التعليم الحديث يحوي دعوة إلى الكفر! يومها لم يفكر الشيخ يوسف بالهجرة، بل زاده ذلك الرفض المجتمعي إصراراً، فكثف جهوده مع مجموعة من التجار الكويتيين إلى أن قامت على أيديهم حركة التعليم الحديث، ونحن الآن نجني ولا شك ثمار تلك المواقف الصلبة التي تبناها رجال أحرار في سبيل أحداث التغيير المطلوب والتحديث نحو الأفضل.
لقد استشهد الدكتور شملان بالمثال الياباني في التغيير الذي بدأ كما يقول في عام 1860 مع حركة “النيجي”، وذلك قبل أن يعجل التدخل الأمريكي في المنطقة فيما بعد الحرب الثانية، بخطوات التغيير في اليابان، حين بدأت النخبة بقيادة المجتمع إلى التغيير، ولعل في هذا المثال ما يؤكد على أن من شروط التغيير الأساسية، شرط الاستمرارية والنضال، لا اليأس والإذعان للفشل ومغادرة ساحة المواجهة والهجرة إلى حريات جاهزة، وحقوق مفصلة، ناضل أهلها كثيراً في سبيل تحقيقها وإقرارها.
للدكتور شملان العيسى ولغيره ممن تحاصرهم أتربة اليأس والعجز، نقول إن لا تغيير دون ألم، ولا حرية دون ثمن، فعندما كنا صغاراً كنا نردد دائماً أن للحرية باباً لا تدقه ولا تفتحه سوى أيادٍ مضرجة بالدماء الحمراء والولادة التي تحمل ما تحمل من معاناة وألم وتمزق، ينتهي مخاضها لا محالة إلى طفل جميل ينمو ليصبح فرداً مساهماً في خطوات السير نحو الأمام، وإذا كنا في هذا الوطن قد افتقدنا الحرية، وعجزنا عن تغيير واقعنا وتحديث مجتمعنا وفكرنا وثقافتنا، فإن السبب الأول في ذلك يعود إلى أننا نفتقد شروط التغيير، ونعجز عن النضال، مؤثرين الانسحاب ببطء أو هجر ما يواجهنا من تحديات.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى