
حقق الشباب العربي حلماً عربياً قديماً طالما بقي معلقاً وعصياً على التحقق، حلم الخلاص من الدكتاتوريات المحنطة التي استنزفت خيرات الأرض العربية وثرواتها، وعبثت بأعمدة المجتمع والدولة، فانهار التعليم وساد الفقر، واستفحلت البطالة وغير ذلك الكثير!
الشباب العربي الذي خرج في الشوارع مطالباً بإسقاط الأنظمة، نجح في أكثر من دولة في إسقاط النظام، ولا تزال البقية منتظرة في الطريق! ولكن تلك النجاحات لا تعني أن المشروع الشبابي قد بلغ غايته، بل هو بالكاد في بداية الطريق!
هنالك جملة من التحديات تواجه الشباب اليوم، باعتبارهم أصحاب ثورات الربيع العربي، فبالإضافة إلى ما يواجههم اليوم من تحدي استكمال الثورات الراهنة، فإن أمامهم كذلك تحدي مواجهة التيارات التي تزامنت مع الأنظمة، وبغض النظر عن اتفاقها أو اختلافها مع الأنظمة! التيارات السياسية التقليدية بجميع توجهاتها وهوياتها لم تعد قادرة على إشباع طموحات الشباب في التغيير، جميع التيارات ليبرالية كانت أو دينية أو شيوعية! فهنالك تيار شبابي جديد بفكر جديد يرفض جميع أشكال الانتماء التقليدية!
لم تعد الزعامة بمفهومها القديم مقبولة في ظل ثورات وانتفاضات الربيع العربي، ولم يعد هنالك قائد يمسك بزمام جميع الأمور، بدليل أن جميع حركات الشباب في كل أنحاء الوطن العربي لم تعلن قيادة بل هي جمهور ممتد عبر فئات الشباب العمرية! الزعامة أصبحت للفيسبوك وتويتر وغيرهما من نوافذ اتصال وتواصل وفرتها الثورة المعلوماتية الرهيبة التي طالت كل شيء!
لقد ضاق الشباب بالانتماءات التقليدية المرتبطة بالأديان والمذاهب والفكر الشيوعي والقومي والبعثي وغير ذلك! فبعد أكثر من ستة عقود على سيادة تلك الانتماءات وخروج القيادات السياسية من قلبها، لم تتحرك المجتمعات العربية شبراً إلى الأمام، بل تقهقرت أميالاً في دروب التخلف والعنف والاضطهاد!
حتماً، لن تكون المعركة سهلة على الإطلاق، بل قد تكون أكثر شراسة من معركة إسقاط النظام، فالتيارات المسيطرة أصبحت حكومات بحد ذاتها، وإقطاعيات مسيطرة على المال والعمل والتعليم بل وحتى العقيدة! وإسقاطها سيحتاج إلى ثورة أخرى يدركها الشباب ويتأهب لها! ففي ليبيا أخرس الليبيون الأحرار محاولة البعض تجيير الثورة وانتصاراتها لمصلحة تيارات الإسلام السياسي، وفي تونس تقاسمت جميع الفئات حصص البرلمان، واضطر تيار الإسلام السياسي إلى إعلان الالتزام بالوسطية الحقيقية في نهجه! أما في مصر، فقد مُنعت جميع الشعارات الدينية في الانتخابات المقبلة!
نحن، ولا شك، مقبلون على عالم جديد حفره الشباب بأظافرهم ورووه بدمائهم، وهم قطعاً ليسوا مستعدين للتنازل عنه مهما بلغت التكلفة، والمستقبل وحده سيؤكد لنا ذلك!
