الأرشيف

“بلاك بلوك”

[جريدة الطليعة 8/1/2014]

لا يمكن عزل الربيع العربي عن الحركة الشبابية العالمية، التي أتت بوعي جديد، وبمفاهيم قد يصعب على جيل الآباء فهمها واستيعابها.. ولعل أهمها على الإطلاق غياب مفهوم القيادة المركزية التي عهدناها تأمر فتطاع.
نحن، وبكل أسف، نُصر على استعارة نماذج تاريخية قديمة، لفهم الحراك الشبابي العالمي بشكل عام، وثورات الربيع العربي بشكل خاص، فنشبه الحركة الشبابية بحركة مصر الفتاة التي قادها أحمد حسين، أو إيطاليا الفتاة التي قادها جوزبي مازيني، أو الحركة المادية التي أسسها أكاديميون راديكاليون في جامعة هارفارد، أو غير ذلك من الحركات والأحزاب التي اشتهرت بأسماء مؤسسيها وقادتها.
الوضع يختلف كثيراً اليوم، ففي ظل الحراك الشبابي العالمي والربيع العربي، لا توجد أسماء ولا قادة ولا زعماء، وإنما نهج ووعي، ولعل المسمى الوحيد الذي اشتهر في ثورات الربيع العربي، هو “بلاك بلوك”، أو الكتلة السوداء، وهو حراك بلا رأس ولا زعامة، وإنما مجرد أسلوب وتكتيك في التظاهرات والمسيرات، يرتدي فيه الأفراد الملابس والأوشحة والنظارات وغير ذلك مما يحمي الوجه، فتبدو الجموع وكأنها كتلة واحدة، هؤلاء تكون تصرُّفاتهم دفاعية، كتضليل السلطات وتهريب المحتجزين من الشرطة وحمايتهم وتقديم الإسعافات الأولية للمصابين بقنابل الغاز المسيلة للدموع.
للحركة أصول ألمانية، وفقاً لما ورد في موسوعة “ويكيبيديا”، نشأت في الثمانينيات من قِبل نشطاء مناهضين للأسلحة النووية وللمهيمنين على الأراضي والممتلكات، ثم تسرَّبت إلى أمريكا خلال التظاهرات المناهضة لمنظمة التجارة العالمية في 1999، وحيث أتلفت مجموعة منهم محال ملابس ومقاهي، وغيرها من مواقع البيع بالتجزئة لشركات متعددة الجنسيات، عرف عنها انتهاكها لحقوق العمال والبشر والبيئة.
وفي العام 2013 في الذكرى الثانية للثورة المصرية، ظهرت مجموعات لا سلطوية يسارية تستعمل اسم “البلاك بلوك” في مصر، وأعلنوا من خلال صفاتهم في المواقع الاجتماعية عن إنشاء الكتلة الثورية السوداء، كتكتيك لمعارضة الحكم الإسلامي.
بغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع “البلاك بلوك” ونماذجه، وبصرف النظر عن عنف بعض تلك الحركات، إلا أن ذلك لا يمنع من الاعتراف بأن نموذج الحراك الثوري التقليدي قد تغيَّر، وبشكل جذري. وما يحدث في مصر اليوم، سواء في انقلاب الشارع على حكم مرسي والإخوان، أو في تظاهره ضد عسكرة الدولة والقيادة دليل على بدء نهاية مرحلة السلطوية في المنطقة. ومثلما انهارت الشمولية مع انهيار الاتحاد السوفيتي، فإن السلطوية في مصر في طريقها هي الأخرى للانهيار.
لم يتعلم هؤلاء الشباب مبادئ الثورة والحقوق الفردية من محاضرات المثقفين، ولا من نظريات الكُتاب، بل هي جاءت من هذا الفضاء المعلوماتي الشاسع الذي أصبح التغيير بفضله أصعب من أن تواجهه الجيوش، مهما بلغت درجة استعداداتها وقدراتها.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى