
كان في مشروع مكافآة الطلبة فرصة عظيمة شرع من خلالها الكثير في الترويج (لوطنيتهم) ولعملهم الدؤوب (والمخلص) للمواطن!! وجميعنا تابع ولا شك المزايدات التي طرحت لأغراض انتخابية بحتة، تخلو من الحس الناضج لأوضاع الوطن الاقتصادية، وتفتقد لأدنى درجات بعد النظر في ما يتعلق بالعمل وقيمته.. وبالعلم وشأنه!
لعلَّ الثمن الباهظ الذي يدفعه الوطن في مقابل مشاريع وآراء من مثل المكافأة الطلابية، ليس مادياً في مجمله!! فالانتهاكات المالية والاقتصادية تجري على قدم وساق!! وقد لا تشكل المكافأة الطلابية شيئاً في مقابل التخلف والتسيب في الإدارة المالية للوطن بإجمالها!! غير أن الثمن الحقيقي، هو ما يتكبده الوطن والمواطن على حد سواء من خلال سوء الفهم للعمل بوجه عام، ولنظريته المنطقية في ما يختص بالجهد والعائد!! بالإضافة إلى تدهور في الوعي والإدراك لمغزى العملية التعليمية، وبخاصة التعليم العالي منها!!
بداية، نحن جميعاً نتذمر وبصفة مستمرة من التسيب الوظيفي، ومن ندرة الحس بالمسؤولية تجاه العمل ومن اللا عدالة في توزيع العمل، ومن عدم التوازن في ما يتلقاه الكثير كعائد للجهد الذي يبذله!! وهو شعور خلق جواً من الإحباط لمن يتجاوزون بطموحهم أداء الآخرين، ويتفوقون عنهم بإنجازاتهم المميزة!! وهو أمر أفقد ولا شك الجهاز الوظيفي في الوطن مناخه التنافسي، القادر على إفراز الإبداعات! لا أحد بالطبع ينكر حق المواطن في أن يكون له مصدر للعيش!! لكن ربط العمل والتدرج الوظيفي بالدرجة العلمية فقط، هو العامل الأساسي في جو الفوضى والأداء المتردي الذي نعاني منه!! والذي أربك ولا شك المغزى من العملية التعليمية.. بالإضافة إلى سوء استخدام للحقوق التي يوفرها قانون التأمين الاجتماعي وذلك بالتحايل المستمر على ذلك القانون!!
لقد مضت سنوات الرفاه وأصبح من المتعذر بمكان تدليل المواطن، كما جرت العادة منذ تفجر الثروة النفطية!! وما أمامنا من مستقبل يفرض علينا تحدياً شرساً لمجابهة متطلباته التنموية!! والمواطن بلا شك هو عنصر ووقود التحدي، الذي لمسنا ثمراته إبان أيام الاحتلال العصيبة!! والتي نوشك أن نطفئ جذوتها الآن، بما نطرح من مشاريع من مثل المكافأة الطلابية، والتي هي أبعد ما تكون عن خلق مواطن قادر على حمل معول التحدي المستقبلي الذي نحن بصدده!!
لقد أفرزت سنوات الرفاه قوانين ومشاريع ساهمت ولا شك في اضطراب العملية التعليمية والأداء الوظيفي، ونحن الآن أمام مفترق الطريق بين أن نجري مراجعة شاملة لتلك القوانين، وبين أن تستمر حالة التدهور العلمي والعملي في هذا الوطن.. فالمكافأة الطلابية التي يجري الترويج لها على قدم وساق، ستدفع للطالب لقاء إتمامه مرحلة التعليم العالي!! وهي مرحلة تعليمية أصابها التراجع حتى العفن!! خاصة وأن التعليم العالي يعتبر مرحلة لتعزيز القدرات وليس بناءها!! بمعنى آخر أنها وبمغزاها المفترض أن تكون عليه، مرحلة تكميلية ليست مقرونة بسنوات عمرية محددة.. وكما في باقي المراحل التعليمية!! وهو أمر يبيح لطالب العلم الانتساب إليها متى ما تحسنت الظروف وسنحت الفرص!!
لعلَّ المضحك المبكي في الحديث عن المكافأة الطلابية أن تأتي في وقت يتزايد التحذير من تردي عوائد وأجور الهيئة التعليمية في جميع المراحل التعليمية!! وهو أمر انعكس سلباً على مستوى المعلم في هذا الوطن بوجه عام، وأدى إلى إمتداد أخطبوط الدروس الخصوصية، والتي أصبحت تئن تحت وطأة متطلباته أسر كثيرة!! كما أدى إلى تلاشي الكفاءات في جميع المراحل التعليمية.. والتي أصبحت ترى في دول مجاورة إغراءات لا تجابهها أجور تصل إلى المائة دينار أحياناً كعائد شهري لتنشئة جيل الغد وتعليمه!!
قد لا ينكر أحد أن أعداد (الموظفين العاملين) من طلبة التعليم العالي قد تضاعفت في السنوات الأخيرة!! وهو أمر يتطلب منا التفكير بجدية أكثر في قانون التأمين الاجتماعي.. ونظام التقاعد الوظيفي!! خاصة وأن الدافع وراء امتهان وظيفة إبان مرحلة التعليم العالي ليس دافعاً طموحاً نحو اكتساب خبرة أو حتى رزق، بقدر ما هو اختصار لسنوات العمل وتعزيز لمكانة (الدينار) قبل الأربعين!! وحيث تتراجع القيمة فيما بعد هذه السنين، وكما هو معمول به الآن!! من الطبيعي جداً أن يكون البعض بحاجة ماسة إلى مصدر رزق تتأجل معه متابعتهم لتعليمهم الجامعي.. بل من اللاطبيعي أن يكون للجميع ذات القدرة المعنوية والمادية.. وذات الطموح التعليمي!! ولم تنكر عليهم قوانين الوطن الوظيفية.. امتهان وظيفة بعد تجاوزهم التعليم الأساسي!! بصورة لا تعيق طموحهم التعليمي، ففرصة الإجازة الدراسية فيما بعد سنوات عمل محددة هي فرصة مفتوحة لكل راغب!!
مما لا شك فيه، إننا لسنا بصدد قضية مادية حين نتحدث عن مكافأة الطلبة!! بقدر ما نحن أمام قضية مؤلمة، تتمحور حول افتقادنا جميعاً للإحساس بمسؤولية العمل، وبمكانة التعليم ومغزى العلم!! وبين أن نخرج من رعاية القبيلة ببيت مالها.. إلى رعاية الدولة بمؤسساتها تمتد أمامنا مفاهيم ما زالت جذورها منتصفة بقاع القبيلة.. تنتظر منا مزيداً من النضج والإدراك.. والوعي لأهمية التحدي والمنافسة.. في إشعال جذوة الإبداع.. والطموح لدى جميع الشباب!!
فلا تخمدوا الطموح.. بإغراءات بيت المال!!
