الأرشيف

شباب ملا مرشد.. هل كانوا أفضل؟!

[جريدة القبس 11/12/1995]

رجل وقور، حكيم وعادل من الرعيل الأول، أبى إلا أن يكون منصفاً في حكمه على جيل اليوم من الشباب!! مؤكداً أن النقد الذي يوجه إلى شباب اليوم فيه الكثير من المبالغات غير المنصفة!! وأن مقارنتهم بجيل الأمس من أقران هذا الرجل هي غالباً ما تعقد لأجل إبراز مآثر الأولين وصفاتهم، وذلك من خلال التركيز على تدهور وتردي حال جيل اليوم!! حتى لقد أصبح الرعيل الأول مثالاً لكل المآثر السلوكية، خالياً من أية شوائب أخلاقية أو فكرية أو مجتمعية!! وهو ما يخالف الحقيقة والمنطق!! فجيل الأمس، شأنه شأن أي مجتمع، يخضع لظروف ومتغيرات تخضع لها كل المجتمعات البشرية!! له من المحاسن كما له من المساوئ.. خضع الفرد فيه لهفوات ولنزوات هي من طبيعة البشر الخطاءة!!
فما أن يأتي الحديث عن الشباب ومشاكلهم وقضاياهم حتى تبدأ المقارنة المجحفة بين الجيلين، فتبدأ المقارنة بين سمات الجيل السابق وخطايا الجيل الحالي!!
لا أحد ينكر أن لدى الشباب اليوم أخطاء وسلبيات ظاهرة، يعاني منها المجتمع ويسعى إلى الحد منها وتقويمها!! ولا أحد يشكك في أنها سلبيات خاصة في جيل اليوم لم تكن ظاهرة ولا حاضرة لدى جيل الأمس!!
غير أن العدالة والإنصاف يفرضان علينا هنا أن نقول أن (ندرة) الأخطاء بالأمس قد رافقها (شح) في المغريات!! وأن أية مقارنة بين الأمس واليوم لكي تكون موضوعية، يجب أن تراعي أولاً خلفية المجتمع بشكل عام!! وقبل أن نتهم الشباب بالانزلاق خلف الثقافة الغربية المتناقضة!! علينا أولاً أن نحدد أية ثقافة نعني هنا، هل هي ثقافة الـ (إنترنت) أم ثقافة (الستالايت)؟! هل هي الاتصال الإعلامي المباشر أم هي الاتصال العلمي والأدبي والمسرحي والموسيقى؟!
هنالك أسطورة قديمة تلخص حكمة المحاسبة والعقاب!! تحكي أن أختين إحداهما جميلة جداً والأخرى قبيحة جداً!! انزلقت الجميلة في طريق الخطيئة بعد أن ثابر الشيطان مأخوذاً بجمالها على إغوائها وإغرائها!! بينما بقيت القبيحة بعيدة عن طريق الخطيئة ولم يحاول الشيطان إغواءها لشدة قبحها!! فجاء حسابهما واحداً!!
مرحلة الشباب – أو مرحلة المراهقة لنكون أكثر تحديداً – هي مرحلة عمرية لها صفاتها البيولوجية والنفسية التي تجعل منها مرحلة حرجة، لما تترك من بصمات تبقى آثارها راسخة طوال رحلة الفرد الحياتية!! أصعب ما في هذه المرحلة هو إنكارها وإنكار احتياجاتها، أو تحديد تلك الاحتياجات بمنطق ومقاييس عالم الكبار!! ولا نعني هنا بالطبع إلغاء المراقبة الأسرية أو المتابعة المنزلية!! بقدر ما نعني بذلك أن تكون المتابعة والإشراف وفقاً للمعطيات والمتغيرات الجديدة!! خاصة إذا ما نحن أدركنا أنه من السذاجة بمكان أن نتصور أننا محصنون أو بمعزل عن آثار تلك المستجدات!!
هنالك اختراق طبيعي للثقافات في عالمنا الحاضر.. يفرضه ذلك التحول التكنولوجي والنمو المعلوماتي.. الذي دفع ويدفع مجتمعات أخرى كثيرة إلى إعادة نظر جذرية، في أساليب تربوية وتعليمية ظلت راسخة في تلك المجتمعات، وبمعزل عن هذه التداخلات التي نشهدها الآن!! ونحن في هذا الوطن، شأننا شأن كل مجتمعات الأرض، علينا التعامل معها لا إلغاؤها ورفضها، فالذين ينادون بتقليص الانفتاح الإعلامي حماية للشباب!! أو بعزل المجتمع من ذلك التداخل الثقافي الذي هو سمة العصر الحديث بحجة أنه يحمل ثقافات دخيلة!! هم بلا شك يرفضون المشكلة ولا يساهمون بحلها أبداً!!
الشباب طاقة، كل ما على مجتمع الكبار هو توجيهها وفقاً للمناخ العام الموجود!! ومشاكل الشباب في هذا الوطن وفي هذه المرحلة بالذات، هي نتائج لخلل عام في برامج الكبار التوجيهية!! فلم نسمع أن حدثاً أو شاباً اقترف ذنباً أو جريمة بسبب (الستالايت) أو لتأثره بثقافة غربية (دخيلة)!! وإنما انحصرت كل مشاكل الشباب والأحداث وفقاً لكل الدراسات المعمولة لأسباب تعود إلى خلل في برامج الكبار أنفسهم أو في تعاملات وسلوك الكبار فيما بينهم!!
الشباب عنصر مجتمعي فعال في كل زمان ومكان!! وسواء كانوا شباب (ملا مرشد) أو شباب المدرسة الإنكليزية، فإن دورهم في المجتمع لا يتغير.. ولا يتناقص!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى