
التقيت أحد الشباب المصريين في بداية الانتفاضة في ليبيا، وقد كان مندهشاً من ثورة الليبيين وحماسهم للإطاحة بنظام القذافي! سبب دهشته، على حد قوله، أن ليبيا بلد غني، وأن الليبيين يتمتعون بدخول مالية جيدة، وبوظائف، أي بعكس مصر، التي خرج الناس فيها مطالبين بالتغيير بعد أن وصلت معدلات الفقر والبطالة بسبب فساد النظام إلى أرقام مخيفة ومهولة!
صديقنا الشاب المصري هنا لا يزال يستعين بالمعايير التقليدية القديمة لمحفزات الثورة، فالجوع والبطالة والفقر لم تعد هي أهم الأسباب وراء ثورة الشباب في العالم كله وليس في منطقة الشرق الأوسط وحسب، فلقد فرضت أولويات الشباب اليوم نفسها لتأتي في قائمة الأسباب الداعية للثورة والانتفاضة وإسقاط الأنظمة السياسية! وهي أولويات تتعلق بالحريات كافة وبالحقوق الإنسانية سياسية، كانت أم اجتماعية أو دينية وفكرية! لقد أصبحت قيمة الحرية لدى شباب اليوم تضاهي في أهميتها رغيف الخبز! وهو أمر لم تستوعبه عقلية الأنظمة العربية بعد ولا عقول حكامها ومسؤوليها! وقد رأينا في الانتفاضات العربية، التي عصفت بخارطة المنطقة، كم هي مقدسة للحرية لدى شباب اليوم، وكم هو مرفوض نهج تكميم الأفواه والخطر على الفكر وحرية الرأي والحركة!
وإذا كانت ثورة الاتصالات المذهلة قد قاربت بين ثقافات العالم المختلفة، ووحدت لغتهم، فإن ثورة الشباب قد طرحت أجندتها الأهم، المتعلقة بالحرية بشكل خاص، وهي أجندة يشترك فيها الشباب من جميع ثقافات العالم وأطيافه! وهي المحرك الأول للثورة في تونس، ومصر، وليبيا، واليمن، ولبقية أجزاء الدومينو العربية التي ستتداعى حتماً بفعل بركان الحرية الثائر!
لم يعد الإنسان العصري يعيش على كسرة الخبز، وجرعة الدواء، ولم تعد الوظيفة الحكومية هي هاجسه الأول، بل أصبحت الحرية هي دستوره، والكبت هو عدوه اللدود!
لذلك فقد فشلت الحكومات في مصر، وتونس، وليبيا، واليمن، في رشوة الثوار من الشباب واستدراجهم، لأنها – أي الحكومات – لا تزال ترى في توفير الخبز والوظيفة، قمة الرخاء، والرفاه، والترضية السياسية!
