
جيل الأمهات اللاتي شكّل وجودهن معنا عالماً يفيض بالتفاني والعطاء.
ورحلت ماما طيبة عن هذه الدنيا الفانية.. رحلت وخلّفت وراءها إرثاً من أدب وثقافة الأمومة بكل تجلياتها! لن أرثيها هنا لصلة دم تجمعنا، بل سأرثيها لكون رحيلها يُشكّل فصلاً من فصول رحيل جيل من الأمهات، شكّل وجودهن معنا في هذه الحياة وهذا الزمن عالماً يفيض بالتفاني والعطاء اللامحدودين، والتواصل مع جرعة مكثّفة من الحب المجرد الممهور بقلب ناصع في بياضه ونقائه.
في زمن تحكمه المادة بشكل مفرط وقبيح، يصبح الحب المجرد والأمومة الصادقة من نوادر ما نكتسب ونتعلم، ونلمس من مشاعر تتقاذفها تعاملات الناس اليومية في ما بينهم، في زمن الحروب والدماء والعنف والقتل، نجتهد باحثين عن ساحة – ولو صغيرة – من الحب، نخلد إليها ونسترخي من عناء العصر الحديث، فنجدها في حضن ماما طيبة وجيلها من أمهات، رضعن ثقافة العطاء، فبذلنها بسخاء ليس لأبنائهن وحسب، وإنما لمحيطهن الذي لا يشمل أقارب دم وحسب، بل معارف وجيراناً وأصدقاء وعمالة منزلية، استطاع قلب ماما طيبة أن يشملهم جميعاً، وأن يتدفق حنانها وحبها ولهفتها ليستظل بها الضعيف قبل القوي، والمعدم قبل الثري، والخادم قبل المخدوم!
لم تكن ماما طيبة أمّاً وحسب، بل كانت مدرسة بأكملها تكفلت بتنشئة وتربية وتعليم واحتواء مجتمع صغير من خمسة أبناء، شاء القدر أن يغيب والدهم باكراً، لتقوم وحدها بمهمة رعاية خليتها الصغيرة، ولتُثمر تلك الرعاية رجالاً اقتحموا الحياة، لكن بقي رُبّانهم صلباً من خلفهم، ولتصبح ماما طيبة عنواناً لكل ما أنجزوه ولكل ما حصدوه!
صعب جدّاً عليّ رثاؤها، كما هو صعب على كل نفس عاصرت حقبة ماما طيبة، فالرثاء لا يكون إلا للأموات، وهي حية بمآثرها وبذكراها وبرائحة الشاي المعطّر في مجلسها، الذي حتماً ستتغير نكهته ورائحته، بل حتى طعمه مع غيابها!
بحثت في شعر الرثاء عمّا قد يعبّر عن فاجعة رحيل وغياب ماما طيبة، فوجدت في هذه الأبيات شيئاً من السلوى:
ترضــــى النفــــوس وتستطيــــب عذابــــها
لمــــا تــــزف إلــــى الإلــــه ركــــابها
أنـا مـــــا بكيــــت علــــى الحبيــــبة يائــــساً
مــــن رحــــمة فتــــح المهيــــمن بابــــها
لكنـــه ألــــم الفـــراق، ولــــوعـــة
سلّــت عــــلي سيــــوفــــها وحـــرابــــها
ورأيــــت فقــــد الأم صـــار حقــــيقــــة
ورأيــــت مــــن شمــــس الحنــــان غيــــابــــها
وعلــــمــــت أن حبيــــبتي وأنيــــستي
وأميــــرتي قــــد أغمــــضت أجفــــانها
كنــــا صغــــاراً حيــــن فارقــــني أبــــي
فمضــــت تقــــدّم روحــــها وشبــــابــــها
رحم الله ماما طيبة رحمة واسعة، وأسكنها فسيح جناته، وألهمنا الصبر على لوعة فراقها!
