الأرشيف

مخاطر الوقوع في الحظيرة الأمريكية

[جريدة القبس 29/1/1992]

لعلَّ الأحداث التي عصفت بوطننا الصغير خير دليل على أننا لا يمكن أن نعيش بمعزل عن المستجدات والمتغيرات السياسية القائمة على الساحة الدولية.. فمنذ نهاية الثمانينيات.. والعالم يمر بأحداث متلاحقة.. سريعة الوتيرة.. تنبئ بانتهاء مرحلة وميلاد مرحلة جديدة.. انتهاء الحرب الباردة بين القوتين العظميين والتي استمرت منذ انتهاء الحرب الثانية.. وميلاد مرحلة جديدة من الوفاق الدولي القائم على اختفاء المظاهر التقليدية للصراع بين تلك القوتين.
وبعيداً عن كل مظاهر التشنج والعاطفة في سرد المسببات.. فإن مسألة الغزو العراقي للكويت قد قسمها هذا الوفاق الدولي.. وبالتالي فنحن لا نملك أن نتنبأ بما كان سيؤول إليه حالنا.. لو أن أحداث الغزو تقدمت عشرين عاماً!!
وإذا كانت أزمة الغزو قد تم احتواؤها وإنهاؤها مع بداية العام 91.. فإن أموراً كثيرة، لا نعني انفراج الأزمة فإنها لم تعد تعنينا، وأعني بذلك أموراً مرتبطة بتداعيات ما بعد احتواء الأزمة.. وقد يكون أهمها تلك المتعلقة بحالة النظام الدولي الجديد.. أو الشرعية الدولية.. والذي ظهر جلياً في حرص القوتين العظميين على إيجاد قواسم مشتركة بينهما.. وبناء وتجسيد حالة من التحرك المشترك قدر الإمكان.. فكانت أزمة الغزو العراقي بمثابة تحد لذلك التحرك.. وأول أزمة دولية بالمعنى الشامل تواجه عملية بناء النظام الدولي الجديد. وقد عايشنا جميعاً أحداث الأزمة.. والقرارات التي أصدرها الاتحاد السوفيتي آنذاك والولايات المتحدة.. حيث كان الإصرار السوفيتي على إبقاء الحل السياسي كأساس للتسوية.. وحتى ما قبل الحرب البرية بأيام قليلة فقد كان الموقف السوفيتي منصباً على تأمين سلامة انسحاب الجيش العراقي من كافة الأراضي الكويتية.. مقابل إصدار القرار الأمريكي على استمرار المواجهة العسكرية.. وكلنا أيضاً استشعرنا احتضار القرارات السوفيتية في إدارة الأزمة.. متمثلاً برفض الولايات المتحدة لأغلب المبادرات السوفيتية فجاء ذلك تأكيداً على ضعف القوة السوفيتية كقوة مؤثرة وموازنة للقوة الأمريكية. بعبارة أخرى جاءت أزمة الخليج لتمثل تطبيقاً عملياً لمرحلة انتقال بين نظامين دوليين.. الأول تحت سيادة قوتين عظميين وحرب باردة.. والثاني ينبئ بهيمنة دولة واحدة.. تزداد معها الفرصة لصانعي السياسة الأمريكية لتأكيد فرضية دولية جديدة تعترف بالدور الأمريكي الأول في السياسة الدولية.. فتنقلب معها كل موازين القوى التي كانت قائمة ومنذ الحرب الثانية.
وتوازن القوى مفهوم قديم.. آمن به قدماء الإغريق وطبقوه من خلال مبدأ تعدد الآلهة.. وبسببه دخلت بريطانيا الحرب الثانية خوفاً من الهيمنة الألمانية وانتهجته السياسة الأمريكية دفعاً للحد من المد الشيوعي آنذاك.. فنظام العلاقات الدولية كان قائماً على أساس فرضية أن حفظ السلام الدولي.. يشترط عدم رجحان كفة دولة أو تحالف دولي على كفة الدول أو التحالفات الأخرى المقابلة.. لأن ذلك يغري بالهيمنة والعدوان.. فحتى قبل الانهيار السوفيتي.. كان هناك توازن عسكري متمثل في امتلاك كل من الدولتين العظميين (أمريكا وروسيا) قوة عسكرية ضاربة.. تعمل على خلق حالة من الردع المتبادل يتعذر معها استخدام القوة العسكرية لحل المشاكل السياسية.. ويصعب معها بذلك التحدي المباشر للمصالح الحيوية للدول الأخرى.. حيث كانت مناطق النفوذ موزعة وبالتراضي بين القوتين.
هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها وهي أن الرياح كانت معنا ولصالحنا طوال فترة الاحتلال البغيض.. وأن أزمة الغزو العراقي جاءت كأول اختبار حقيقي لسياسة الوفاق بين القوتين العظميين.. وبزغ فجر النظام الدولي الجديد.. بحيث كنا أول المستفيدين حقاً من هذه السياسة الجديدة.. إلا أننا يجب أن نتحفظ هنا فيما يتعلق بمدى قدرة هذا النظام الجديد.. خاصة بعد أن أصبح تحت الزعامة الفردية للولايات المتحدة.. مدى قدرته مستقبلاً على القيام بدور إيجابي مماثل لما قام به لدرء العدوان العراقي.. والذي يدعونا لهذا التحفظ أن العامل الأساسي في إنهاء أزمة الاحتلال.. هو كونها أزمة وثيقة الصلة بنفط الخليج والذي يعتبر أساساً للتقدم الاقتصادي للدول الصناعية.. وكذلك لطبيعة المصالح الاقتصادية التي تمثلها منطقة الخليج بالنسبة للولايات المتحدة.. إضافة إلى عامل آخر مرتبط بتصاعد التخوف من النمو العسكري للعراق بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية.. وخاصة بعد تهديده بحرق نصف إسرائيل في أبريل 90.. وقد تزايد هذا التخوف وبدا معبأ بالكراهية للنظام العراقي إبان فترة الاحتلال.. إثر احتجازه الرعايا الأجانب والإعلان عن استخدامهم كدروع بشرية، لا نستطيع أن ننكر أن هذه العوامل مجتمعة قد عجلت في عملية إنهاء الغزو الآثم.. وقطع الطريق على إمكانية نمو وهيمنة النظام العراقي على نفط الخليج.. والذي كان سيخل بالنظام الدولي الجديد.. وبالاقتصاد العالمي أيضاً.
وإذا كانت نظرية توازن القوى.. في صمام الأمان للحفاظ على السلام في العالم.. فإن هذه النظرية لا تعني استمرار وبقاء القوى ذاتها دون تغيير.. وذلك لتغير الظروف التي تساعد وتؤمن لأي قوة.. استمرارية الحفاظ على قدرتها العسكرية والسياسية والاقتصادية.. وقد يكون انهيار الاتحاد السوفيتي كقوة دولية.. دليلاً على ذلك.. حيث كان العجز الاقتصادي وتهديد المجاعة من العوامل التي عجلت على إنهاء الاتحاد السوفيتي كقوة.
وهي نقطة تجعلنا نعيد النظر في مدى قدرة الولايات المتحدة كقوة على الاستمرار في حفظ السلام.. خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية التي يمر بها الاقتصاد الأمريكي – والتي كان أثرها واضحاً إبان الأزمة من خلال الضغط الأمريكي على كل من اليابان وألمانيا للمساهمة حالياً في الحشد الدولي.. وماذا لو تحولت إلى أزمة شبيهة بالانهيار الاقتصادي العظيم إبان الثلاثينيات.. والذي كان من شأنه نمو القوة الألمانية آنذاك!!
فبالرغم من الدور الأمريكي البارز في إعداد الحشود.. حيث كانت أمريكا هي الدولة المنسقة والمنظمة لعملية المواجهة.. إلا أنه بالإمكان القول أن جهود قوى أخرى من خلال مساهمات حالية قد أدت إلى نجاح المعالجة الدولية للأزمة.
ذلك كان الأسلوب الذي تم فيه احتواء الأزمة.. وتحرير الوطن.. والتساؤل القائم الآن عما إذا كنا قد وقعنا في حظيرة أمريكا أم لا.. يعني الالتفاف حول أنفسنا دون جدوى.. وأجدى بنا عوضاً عن ذلك.. أن نتساءل ماذا نحن فاعلون!! وكيف نجد طريقنا في التعامل مع النظام الدولي الجديد.. وهو نظام قائم على تحديات اقتصادية كالتحدي الياباني.. والتحدي المنتظر عند اتمام مشروع السوق الأوروبية المشتركة.. فأين نحن أمام هذه التحديات.. خاصة إذا ما وضعنا في الاعتبار أننا نستطيع أن نتبوأ مكانة أفضل إذا ما أحسنا استثمار ذلك المخزون النفطي الذي يعتبر حجر الأساس للتحديات الاقتصادية القائمة الآن.. والقادمة في المستقبل القريب؟…

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى