الأرشيف

… خوفاً من المستقبل!

[جريدة القبس 2/5/1992]

يقال والعهدة على التاريخ ورواة التاريخ أن الأزمات السياسية والاقتصادية التي جابهتها ألمانيا إثر انتهاء الحرب العالمية الأولى كانت سبباً مباشراً في نمو ألمانيا بقيادة هتلر. وأن الشروط الاستسلامية المتشددة التي فرضت على ألمانيا قد مهدت الطريق لظهور النازية. فقد استطاع ذلك القائد الألماني أن يستثمر ذلك الحقد.. ويكرسه لتحقيق طموحاته في أوروبا، بمعنى آخر أن عقاب ألمانيا قد جر الكارثة والدمار على أوروبا في الحرب العالمية الثانية.
والتاريخ لا يعيد نفسه بمجرد تكرار الأحداث فقط.. وإنما بتفاصيلها الدقيقة أيضاً.. وبإعادة خلق الشخصيات التي ستعيد صياغة تلك الأحداث. ولعلَّ أقرب الأمثلة القائمة لدينا هو ذلك التشابه بين طموحات زعيم النظام العراقي.. والقائد الألماني هتلر.. وإن كان في ذلك التشبيه تجن على هتلر.. والذي أثر إنهاء حياته على الاستمرار في مراقبة احتضار ألمانيا. إضافة إلى تشابه الوضع في ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى.. والعراق بعد حرب الخليج.
وبعيداً عن العواطف.. التي ليست إلا مظهراً عابراً للتنفس عن الفواجع.. لا دواء وتفهماً لحقيقة الفاجعة التي ألمت بالوطن.. بعيداً عن تلك العاطفة سنحاول تفهم حقيقتين.. لا يمكن بأي حال من الأحوال فصلهما عن مستقبل وأمن هذا الوطن: أولاهما استمرار الحظر الاقتصادي على العراق.. وقرار اللجنة الدولية لرسم الحدود بين العراق والكويت.
لا أحد ينكر أن مطامع النظام العراقي في الاستحواذ على ثروة الكويت النفطية والمالية.. هي من أهم الدوافع الاقتصادية والاستراتيجية وراء قرار النظام العراقي بغزو الكويت… وما شعار الحقوق التاريخية سوى غطاء لحقيقة تلك المطامع.. وكلنا يتذكر الاتهامات التي احتوتها المذكرة التي قدمها العراق إلى الأمانة العامة للجامعة العربية.. والتي أرسلت قبل الغزو بأسبوعين.. تلك المذكرة التي أوضحت أطماع النظام العراقي.. وبينت مدى تدهور الوضع الاقتصادي أثر حرب السنوات الثماني.
إذاً.. فالأزمة الاقتصادية التي جابهها العراق إثر خروجه من حربه مع إيران كان لها مخرج واحد وحل يتيم.. وهو الادعاء بالحقوق التاريخية.. والدليل على ذلك أن الحملة الإعلامية.. التي شنها إعلام النظام العراقي قبل الغزو بفترة وجيزة.. لم تتطرق.. ولو بالإيحاء.. لتلك الحقوق التاريخية.. وإنما كانت تدور حول ادعاءات وأكاذيب عن مؤامرة كويتية تُحاك لتقويض الاقتصاد العراقي.. وما يهمنا هنا ليس دحض تلك الادعاءات – فخبراء المال والاقتصاد لدينا هم أدرى بذلك – ولكن الذي يهمنا حقاً.. هو أن الحقيقة وراء الأسباب المباشرة التي دفعت بالنظام العراقي للتستر وراء تلك الادعاءات.. هي في تضاؤل الفرص أمام العراق لإصلاح أوضاعه الاقتصادية المتردية.. والناجمة عن حربه مع إيران.
نحن نعلم جيداً أننا لا نملك شيئاً حيال الحظر الاقتصادي على العراق.. ونعلم أكثر أنه لن يكون سبيلاً لإطلاق سراح أسرانا.. ولا شفيعاً لنا في شهدائنا.. إلا أننا يجب أن نكون أكثر وعياً وحيطة لما يمكن أن يعود عليه ذلك الحظر من خطر مستقبلي وارد جداً.. ليس علينا فحسب وإنما على منطقة الخليج ككل. فانهيار العراق ستكون له نتائجه المباشرة على الاستقرار الاقتصادي والسياسي في المنطقة بأسرها. ومن الواضح جداً.. أن الحظر الاقتصادي لن يطيح بنظام صدام حسين وإن كان سيزيد من النزيف الدموي والمعنوي للشعب العراقي.. والذي ستكون أهم إفرازاته.. صوراً مكررة ونسخاً معادة من صدام حسين.. الذي عاش وسقى الحقد والكراهية.. فلم يثمر غيرهما. عند ذلك لن نستطيع أن نقول أن ذلك سيكون شأناً عراقياً.. وإلا نكون قد خلطنا بين العاطفة والسياسة.
إن النتيجة الوحيدة الواردة لاستمرار الحظر الاقتصادي على العراق ستكون الانفجار.. أما بأي اتجاه؟! وكيف سيكون؟! فهذا ما سيكشفه المستقبل غير البعيد.. لنبقى نحن في هذا الوطن.. وفي قلب مثلث الخطر.. نتابع تطورات ما يحدث.. دون أن نعد العدة للاحتمالات والنتائج القادمة.. والتي وبلا شك ستؤثر على مصالحنا الحيوية وأمننا وسلامة أراضينا.. وستنعكس بلا شك على الاستقرار في مناطق حدودنا.
تبقى الحقيقة الثانية.. فيما يخص مستقبل هذا الوطن.. ألا وهو قرار اللجنة الدولية لترسيم الحدود. وهنا علينا بداية أن نشير إلى طبيعة العلاقة بين أي دولتين متجاورتين.
لا يمكن لأي دولتين متجاورتين أن تأمنا اعتداء إحداهما على الأخرى إلا بأحد الأمرين. إما أن تكون هناك موازنة للقوة من حيث العدة والعدد.. وما يستلزم ذلك من بناء وتدريب الجيوش.. وهو أمر نفتقده بطبيعة الحال. فالعلاقة في حالة الكويت والعراق غير متكافئة إطلاقاً.. إن من حيث العدة أو العدد.
يبقى الأمر الثاني.. وهو الارتباط بمواثيق وعهود لتسلم كلا الجارتين من الاعتداء وهو أمر فشل في الصمود في سوابق تاريخية كثيرة.. وأثبت استحالة استمراره أو إحيائه.. خاصة بعد الغزو الآثم، أما في حالة عدم تحقيق أحد الأمرين السابق ذكرهما فلا سلام ولا أمن بين متجاورين.
إن هذه ليست دعوة للتقوقع داخل دائرة اليأس.. بقدر ما هي دعوة لتحكيم المنطق والعقل فيما يخص مستقبل وأمن الوطن فحجمنا الصغير وموقعنا الجغرافي المميز.. وثروتنا الكبيرة.. كلها عوامل أثارت طموحات مغامرين كثر عبر تاريخ وطننا.. وأسوارنا الثلاثة خير دليل وشاهد على ذلك.
إن القول بالنصر الذي حققناه.. والحق الذي عاد لن يضيف شيئاً إلى موقعنا وسط المثلث.. بقدر ما سيكون عائقاً أمام أي سلام دائم للمنطقة ككل.. فكما نعرف أن العراق مصدر رئيسي للنفط.. ولولا العلاقات الطيبة بين العراق وجيرانه.. والتي كانت سائدة إبان الحرب العراقية الإيرانية.. والتي بفضلها استطاع العراق التحرك بيسر وسهولة.. لكان الحسم في تلك الحرب سريعاً وقصيراً.
وإذا كنا نحن.. وبعدائنا الذي لم يلتئم بعد للعراق.. ندرك تلك الحقيقة.. فكيف سيكون إذاً رد الفعل العراقي مستقبلاً؟.. ومن سيكون الضحية الأسهل والأقرب حين تتأزم الأمور كما تأزمت قبل الغزو الغادر.. ويبدأ البحث عندها عن نقطة هشة لبعث القلاقل والمشاكل من جديد.. إن ذلك بالطبع ليس دفاعاً عن الغير أبداً.. بقدر ما هو خوف على مستقبل الوطن.. وخشية أن يكون ميناء أم قصر.. الشرارة التي ستؤجج النار في المنطقة متى اقتضى الأمر ذلك!!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى