
تأتي سويسرا كمثال على أقدم سياسة حياد في العالم، وهي سياسة تنص على عدم المشاركة في أي حرب مسلحة أو نزاع بين الدول الأخرى، وقد استمرت سويسرا في سياستها المحايدة حتى في الحرب العالمية الأولى على الرغم من تقاسمها الحدود البرية مع دول متحاربة كالنمسا وألمانيا وإيطاليا وفرنسا، وذلك قبل أن تعترف عصبة الأمم المتحدة في عام 1920 رسمياً بسويسرا كدولة محايدة. أما في الحرب العالمية الثانية فقد حاولت ألمانيا النازية غزو سويسرا، لكن ذلك لم يحرّك من حياد سويسرا على الرغم من انتقاد الكثيرين لموقفها من الحرب، والذي وصفه البعض آنذاك بالغامض.
الدول الحيادية هو تعريف يُطلَق على الدول التي تمتنع عن المشاركة في أي حرب أو نزاع بين بلدان أخرى، وتلتزم مسافة واحدة من جميع الأطراف المتنازعة، ومن أشهر الدول الحيادية، إيرلندا، وسويسرا، وفنلندا والسويد والنمسا.
قد يكون من الصعب على أي دولة شرق أوسطية أن تتمتع بمثل حياد تلك الدول، فنحن نعيش وسط براكين من الخصومات والنزاعات والخلافات التاريخية، التي قد يكون الحياد معها مرفوضاً، ومع ذلك فقد استطاعت الكويت ومنذ استقلالها عام 1961 أن تحاول قدر الإمكان وضع التوازن والحياد والوساطة نصب عينها فيما يتعلق بسياستها الخارجية.
اليوم تعبر المنطقة، وبالتحديد دول الخليج، بعواصف سياسية عاتية، بعضها يتعلّق بعلاقات دولها فيما بينها، والبعض الآخر مرتبط بعلاقات عربية ودولية وبتحالفات إقليمية متغيرة، قد يشكّل بعضها تحدياً للمسار الدبلوماسي المحايد الذي طالما لعبته الكويت.
الوساطة الكويتية ليست بحديثة العهد، فلقد سبق للكويت أن كانت وسيطاً بين مصر والسعودية في ستينيات القرن الماضي، كما تدخّلت بين اليمن الجنوبي وسلطنة عمان، وأيضاً لعبت دور الوساطة بين باكستان وبنغلادش في سبعينيات القرن الماضي، ولعبت أدواراً أخرى مشابهة في رأب الصدع العربي لأكثر من مرة.
ومما لا شك فيه أن ظروف الكويت الجغرافية قد أسهمت في إبراز هذا الدور الحيادي، فالكويت دولة صغيرة محاطة بكيانات كبيرة جغرافياً وعسكرياً، لكنها استطاعت أن تخرج من هذه التركيبة المعقدة وتنأى إلى حد كبير بنفسها عن الدخول في صراعات وحروب وحرج سياسي مُكلِف أمنياً واقتصادياً، أو كما حدث إبان الحرب العراقية – الإيرانية، حين تم إقحام الكويت في أتونها فكانت النتيجة انحرافاً عن حيادها المعهود، وربما كان ذلك أحد المبررات التي استخدمها صدام حسين في غزوه واحتلاله لها عام 1990.
اليوم لم يعد الشرق الأوسط وحده هو الذي يعاني من بقع توتر، بل أصبحت منطقة الخليج كذلك على صفيح ساخن من التوترات التي أصبحت تهدد الاستقرار والأمن في هذه المنطقة الحيوية والثرية، وأصبح من الواضح في خضم مثل هذه التيارات المتنازعة والصراعات الساخنة أن تتعرض الكويت إلى ضغوطات للتنازل عن حيادها والدخول في دعم طرف ضد آخر، لذلك فإنها اليوم كدولة تقف أمام تحديات شرسة للحفاظ على الدور الذي مكّنها من أن تكون دائماً واحة السلام ونافذة الحوار مع الآخر كما كانت عبر تاريخها.
هنالك ملفات معقدة قد تُضاعف من حدّة هذا التحدي الذي تواجهه الكويت اليوم كالوضع في العراق، والحرب في اليمن، والخلاف الخليجي، والاتفاق النووي مع إيران، والتطبيع مع الكيان الصهيوني، ومع ذلك ستبقى الكويت متمسكة بحيادها وبدورها كوسيط في حل النزاعات لا شريك فيها، فهذا ما مكّن الكويت دائماً لأن تحظى باحترام وتقدير دولي عكسته الأحداث منذ فجر الاستقلال وإلى اليوم، ولتبقى الكويت دولة محايدة ذات سيادة ودستور وإرادة شعبية حرة.
