
يرى الدكتور حسنين توفيق إبراهيم في كتابه عن “ظاهرة العنف السياسي في النظم العربية” أن محدودية العنف في دول مجلس التعاون الخليجي عموماً تعود إلى محدودية عدد السكان.. وحداثة المؤسسات التعليمية والجامعية فيها، هذا بالإضافة إلى أن الثروة النفطية قد مكنت النظم السياسية في دول الخليج من الاستجابة للحاجات المادية للشباب وإشباع طموحاتهم واستيعاب المتعلمين منهم في وظائف ذات عائد مغر!
وقد يكون باستطاعتنا هنا أن نستعيد وجهة نظر الدكتور حسنين إبراهيم لنحاول أن نفهم على ضوئها الأسباب التي أدت إلى أعمال العنف، خاصة في أعقاب التحرير!
فالحادث الذي تعرضت له جريدة “السياسة” في الأسبوع الماضي ما هو إلا واحد من سلسلة أحداث عنف مشابهة في الأسلوب والمصدر. وهو حادث لم يحظ، على خطورته، بتعامل جيد ناضج سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي.. وبحيث اتسمت أغلب ردود الفعل بتشنجات لم تخل من العراك الشخصي البحت.. كانت حصيلته مكاسب فردية ونقاطاً سجلتها أطراف على أخرى بأسلوب أشبه ما يكون بلعب الورق!
لا يمكن أن تخرج أي محاولة للعنف بمكسب لأي طرف. ولعلّ في تجارب الدول الأخرى ما يؤكد لنا هذه الحقيقة وتلك قناعة يؤمن بها حتى ممارسو العنف أنفسهم.. وإن حاولوا التنصل من ذلك!
في حادثة “السياسة”، وكما هو الحال دائماً، تبدأ محاولات تبرئة الساحة من قبل رموز لتيارات سياسية غالباً ما اتسمت أطروحاتها بالعنف.. والإرهاب.. لتجدنا دائماً وفي نهاية الأمر في مواجهة أفراد لا امتداد لهم.. ولا معين! وهو أمر من السذاجة بمكان أن يقبله الرأي العام والمواطن.
فالدوافع من وراء أحداث العنف، خاصة في أعقاب التحرير انحصرت في كونها “حوادث شغب”.. أو تمرد “فتية صغار” سناً ونضجاً، أو بكونها حوادث عارضة سببتها وفرة السلاح – في أعقاب الغزو – وحالات القلق النفسي الذي أصاب شريحة الشباب جراء الغزو ومعاناته.
قد يكون في تلك التفسيرات شيء من الصحة، غير أن اعتمادها كأساس لتفاقم ظاهرة العنف في هذا الوطن. يعتبر ولا شك ضرباً من التهرب.. والتخوف من مواجهة مسببات أكبر وأعمق.. قد يكون من الصعب علينا كمجتمع مواجهتها!
منطقياً، وبحسب تجارب الدول الأخرى، فإن العنف أياً كان حجمه، لا يمكن أن يكون حدثاً فردياً، بلا تنظيم وبلا توجيه! وإن كان للظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية دور أساسي من خلال تغذيتها لأي نزعة من نزعات العنف.. وقد لا نبالغ إذا قلنا أن العلاقة بين برامج التنمية، والعدالة الاجتماعية، والتكوينات المجتمعية، هي علاقة طردية حتى وإن لم تكن بصورة مباشرة.
لقد بات علينا في هذا الوطن أن نخرج من إطار “التنظير” والفلسفة، للوقوف على مسببات العنف، بعد أن أصبحنا جزءاً من ذلك المارد الذي سيفترسنا جميعاً! وأصبح علينا أن نتجول في أزقة وطرقات المجتمع الضيقة، لا الفسيحة والمطلة على البحر وحسب!
علينا أن نخرج من الضاحية، والشويخ، ومشرف، لنتجول في الفردوس والظهر.. وهدية، لكي يكون تعاملنا مع العنف مجدياً وصائباً.
علينا أن نوفر لمقترفي العنف مستقبلاً يخافون عليه ويخشون تدميره.. فيصبحون حماته من عنف الآخرين.. مستقبلاً يعيشون من أجله، ولأجله، لا من أجل الآخرين!
