الأرشيف

صناعة المجرم!

[جريدة القبس 9/2/2010]

الحق، الخير، الجمال، ثلاثية أفلاطون وابن خلدون وسقراط وكل فلاسفة العالم، هي ثلاثية بعيدة كل البعد عن الواقع البشري، بل إن جمهورية أفلاطون القائمة على تلك الثلاثية هي في نظر الكثيرين مسألة مفرطة في المثالية البعيدة كل البعد عن الواقع، ولا نجدها إلا في الأدب اليوتوبي الذي لا موقع له خارج إطار المؤلفات والنظريات والكتب!
حياة البشر وعبر عصور الخليقة تحكمت بها ثنائية الخير والشر، وبصورة كانت الحظوة فيها دائماً لمحور الشر الذي يتمدد نفوذه مع ازدياد عنصر الشراهة السياسية والعسكرية، وسيطرة نزعة التملك والاستحواذ لدى البشر. وأنا هنا، وإن كنت لا أملك الإحصائيات ولا الدراسات بهذا الصدد، إلا أن مشاهدتي، كما غيري، لكل فلول الشر الآخذة في التمدد والانتشار، تؤكد أن العالم اليوم قد أصبح في عهدة المجرمين والأشرار، فمن الولايات المتحدة إلى العراق، ومن لبنان إلى فلسطين، ومن الشرق إلى الغرب، تسيل أنهر الدماء، ويستنزف المجرمون مقدرات الشعوب وأمنهم. قرأت مؤخراً في جريدة الحياة بحثاً في هذا الشأن يستعرض رؤية جدية وطريفة لكارل ماركس حول دور المجرم في صناعة التاريخ، حيث يقول إنه لو لم يكن ثمة وجود للمجرم أو الشرير في كوننا هذا لكانت أمور كثيرة ستتبدل، ليس على الصعد الأخلاقية وحسب، بل كذلك على الصعد الاقتصادية، إذ لولا وجود اللص لما احتجنا إلى الأبواب والنوافذ والأقفال والمفاتيح، أي أن صناعات بأسرها كانت ستختفي، إضافة إلى انتفاء الحاجة إلى الشرطة والسجون والمحاكم في ظل غياب اللص أو المجرم أو الشرير!
رؤية كارل ماركس هذه تسعفنا لأن نفهم طبيعة الدوافع الرئيسية وراء جنون الحروب في العالم، والتي قد تكون من دوافعها العداءات الفكرية والعقائدية والسياسية، لكن هذه وحدها لا تشكل كل الدوافع، فالدافع الاقتصادي المتمثل في تجارة السلاح يشكل جانباً كبيراً من الأسباب وراء الحروب، ففي حرب الخليج الثانية التي تم فيها تحرير الكويت من عدوان نظام صدام حسين، تم إحياء الكثير من صناعات السلاح المعطلة.
المخيف هنا أن العالم، وفي ظل رواج تجارة السلاح وازدهارها، أصبح بحاجة إلى الإبقاء على صورة المجرم أو الشرير أو النظام القمعي والدكتاتوري بحسب مصطلحات السياسة ومفرداتها، فلكي تعمل مصانع السلاح في غلاسكو أو ديترويت أو باريس أو ألمانيا لا بد أن تكون هنالك بؤر صراع في الشرق الأوسط، وخطر إرهابي في الشرق الأقصى، وقتال طائفي في كل حارة وكل زقاق! بمعنى آخر، لا بد أن يكون هنالك مجرم لتبرير صناعة الأقفال!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى