
المشهد الأول: وزارة الصحة
سيدي ولي العهد، تحية طيبة وبعد،
لقاء جديد يجمعنا ثانية، بناء على دعوة سابقة، لاصطحبكم يا سمو ولي العهد في جولة نتصفح خلالها مشاهد مختلفة من مشاهد حزننا وإخفاقاتنا، التي اجتاحت مرافقنا وإنجازاتنا بصورة أصبحنا معها لا نستطيع أن نخفي مظاهر الحزن واليأس التي أصبحت تتملكنا جميعاً، والتي جعلتني كمواطنة أوجه حديثي إليك مباشرة، ودفعت بسموك كرئيس حكومة لأن تلخص يأسك في إعلانك السابق بعدم قدرتك على تشكيل وزارة كل يوم! وليكن مشهدنا الأول، من وزارة الصحة! نلخص فيه بعضاً من فصول الحزن والسواد الذي أصبحت تتشح به هذه الوزارة.
علاقة المواطن بوزارة الصحة، علاقة مصيرية، فمنها نخرج جميعاً وإليها نعود.
وزارة الصحة وبما تقدمه من خدمات علاجية كانت صرحاً نفخر به، يلجأ إليه مواطنو دول الجوار، سعياً وراء علاج جيد، وخدمة متميزة! أصبحت الآن أطلالاً ترابية، تقتل حتى العابرين بها، وكما حدث مثلاً في واقعة مظلة مستشفى الصباح! ولو أن مأزق وزارة الصحة قد وقف على الشكل العمراني الخارجي، لرضينا به أمراً هامشياً! غير أن أطلال الصحة هذه تعكس وللأسف الشديد، أطلالاً وخرائب هائلة في جوهرها وأدائها الفني والعلاجي!
تاريخياً، تعاقب على وزارة الصحة أحد عشر وزيراً، منذ إعلان أول وزارة في تاريخ الكويت! تفاوتت مدد بقائهم في الوزارة بين اثنتي عشرة سنة لأطولهم عمراً، وثلاثة أشهر لأقصرهم عمراً في الوزارة. ولكنهم بلا استثناء، لو تحاورت معهم، حتى ذي الاثني عشر عاماً، ستجدهم يتحدثون عن المشاكل نفسها التي نتحدث فيها الآن، وحجتهم في ذلك بأن مشاكل وزارة الصحة معقدة لدرجة لم تمكنهم من إضفاء جديد يذكر خلال مدة توليهم للمنصب الوزاري!
واسمح لي يا سمو ولي العهد أن أذكر لسموكم بعضاً من هذه المشاكل “المعقدة” التي استعصى حلها على أحد عشر رجلاً!
أولاً: على الرغم من أن وزارة الصحة بإداراتها المتعاقبة لا تكف عن التحجج بالعجز المالي في مواجهة أي نقد لأدائها، إلا أن العارفين والمراقبين عن كثب يذكرون نقيض ذلك! فالهدر المالي هو داء الصحة وليس العجز! فمثلاً تكبدت وزارة الصحة، بسبب “عناد البعض” مبالغ تقدر بحوالي 15 مليون دينار في جلب الفرق الطبية كان بالإمكان استخدامها في إنشاء مستشفى متكامل لأمراض وجراحة القلب بدلاً من المستشفى الصدري المتهالك شكلاً وجوهراً!
ثانياً: لا شك بأن لمثل هذه القرارات غير المسؤولة أثراً سلبياً على نواح أخرى في وزارة الصحة. منها على سبيل المثال أن تكلفة تلك الفرق الطبية المقدرة بـ15 مليون دينار، قد تم استقطاعها من بنود أخرى هامة منها على سبيل المثال 500 درجة للهيئة التمريضية كان بالإمكان استخدامها لسد العجز الهائل في هذه الشريحة الهامة بالوزارة.
ثالثاً: يستحوذ العلاج بالخارج على شق كبير من ميزانية وزارة الصحة حيث بلغ وحتى السنة الماضية تقريباً 135 مليون دينار، وهي لا تشمل السنة المالية المنصرمة والتي تقدر بحوالي 15 مليون دينار! ولا حاجة بنا هنا لأن نذكر بإمكانية استخدام مثل هذه المبالغ الهائلة في إنشاء مستشفى نموذجي لعلاج الحالات الصعبة، التي تتطلب تخصصاً دقيقاً! خاصة في ظل الوضع القائم والذي يبيح للوزير (عُرفاً وليس قانوناً) أن يستثني حالات للعلاج في الخارج، من دون الحاجة للعودة إلى اللجنة المختصة بإرسال المرضى للعلاج! وبما أن وزير الصحة، غالباً ما يكون من خارج الجهاز الطبي، فإنه يفتقد القدرة على التبرير (السريري الفني) لتلك الحالات، مما يجعل المسألة هنا خاضعة لشروط أخرى قد تكون أحياناً “شروطاً خاصة جداً” حتى لقد بلغت حالات مرض العلاج بالخارج والمدونة في مصادر المستشفى الصدري عن عام 97/98 فقط قرابة المائتي حالة، بمعدل أربعة مرضى في الأسبوع الواحد!
سمو ولي العهد،
قد نمضي إلى ما لا نهاية في الحديث عن عثرات مشهدنا الأول من وزارة الصحة غير أن ذلك لا يعني أنها عثرات من دون حلول، وإذا كان طابعها قاسياً ومؤلماً، فإن دواءها ليس مستحيلاً! فالوطن، ولله الحمد يحتضن ما مجموعه 1200 طبيب كويتي، وأكثر من 100 طبيب أسنان، وأيضاً 200 صيدلي، بالإضافة إلى أكثر من 300 فني مختبرات أكثرهم حاصلون على مؤهلات عالية.. كذلك تزدحم أراضي المستشفيات بالمباني المجهزة والمعدة للاستخدام!
وبتصوري المتواضع.. أننا وأمام إحصائيات كهذه لا نفتقد الموارد، بشرية كانت أم مالية، بقدر ما نحن بحاجة إلى تشخيص سريري من أولئك المتخصصين يشير إلى داء الصحة! ويرتب أولويات علاج هذا الجهاز الهام!
سمو ولي العهد، حين دخل صدام حسين غازياً. كان من أبرز أهدافه النيل من كل إنجاز أو صرح يشعره بعجزه أو تقصيره تجاه أهله وأرضه! فكانت من أولوياته الاستيلاء على كل إنجاز لنا، ونسبه إليه، فكانت وجهته الأولى إلى مستشفى الصباح، كأول صرح طبي متكامل، طالما شهد نجاحات، امتدت إلى أرض العراق، وغيره من دول الجوار! فكان أن أطلق عليه حينها “مستشفى صدام”! شهادة منه على أهمية ذلك الصرح الطبي! واليوم.. أدعوك معي يا سمو ولي العهد، لزيارة ما تبقى من ذلك الصرح الوطني، ولا أتصور ستجد صعوبة تذكر في أن تدرك ما أعنيه!
سمو ولي العهد،
ذلك كان مشهدنا الأول من مشاهد حزننا على ما آلت إليه إنجازات كثيرة في هذا الوطن! آملة أن أكون قد أفلحت في إعطاء الصحة شيئاً من مخزونها الكبير من الألم! وليكن لقاؤنا المقبل مع المشهد الثاني: التعليم والتربية!
