غير مصنف

مشهد الخلاص

[جريدة القبس 7/12/1998]

سمو ولي العهد
تحية طيبة وبعد..
حملتنا لقاءات متتابعة في جولات مختصرة عبرنا بها بعضاً من مشاهد التراجع في مسيرتنا التنموية بشكل عام، وهي على إيجازها واختصارها، قدمت صوراً من مؤسسات هامة وذات علاقة مباشرة ويومية بالمواطن، وطرحت بعضاً من معاناة المواطن بسبب إخفاق تلك المؤسسات في القيام بدورها المطلوب، وعجزها عن تحقيق تطلعات وآمال المواطنين. وإذا كان من حق المواطن الشكوى من القصور، فإن من واجبه المساهمة في الإصلاح، من خلال وضع تصوراته لسبل الخلاص، وإثارة ما يراه من مواقع خلل وقصور قد تكون خافية على أهل القرار والقول أو غائبة عنهم.
سمو ولي العهد،
حين رفعت حديثي لسموكم لم يكن حديثاً موجهاً لكم بصفتكم ولياً للعهد، وإنما من حيث كونكم رئيساً للحكومة، تملكون القرار الأول في توزيع المهام الوزارية، وتوزير القياديين فيها. وبهذا أكون قد وجهت حديثي للجهة المخولة وبالاتجاه الصحيح، ولأن جزءاً كبيراً من إخفاق تلك المؤسسات يعود بالدرجة الأولى إلى شخوص وزرائها وجهودهم المتواضعة جداً والتي قطعاً لم تحسن التعامل مع سلبيات وزاراتهم.
سمو ولي العهد،
على الرغم من أن مشاهدنا الأربعة قد استعرضت مكامن القصور في أربع وزارات مختلفة، إلا أن هناك قاسماً مشتركاً وحّد تلك الهموم الوزارية بصورة جعلتنا نكرر ونعيد الأسباب نفسها على الرغم من اختلاف المواقع. أهم تلك الأسباب على الإطلاق، عجز الوزير أحياناً عن الارتقاء بالأداء في الوزارة بسبب عدم درايته بالأدوات الإصلاحية المطلوبة، خاصة في بعض الوزارات التي يتطلب الأمر فيها وزيراً فنياً، بمعنى أن يكون على درجة معقولة من التخصص التي تمنحه رؤية أفضل وأدق حول مصادر القصور في الوزارة.. وكما هو الحال في وزارة الصحة مثلاً والتي من المؤكد أن الطبيب سيملك قدرة أكبر على تشخيص داء القصور فيها بصورة أدق من غيره. كذلك تتطلب وزارة، كالتربية مثلاً، وزيراً له خلفية تربوية تعليمية بصورة قد تمنحه بعداً أكبر من غيره في التنبؤ باحتياجات الحقل التعليمي التربوي، وأيضاً قد تشترط وزارة المالية خبرة اقتصادية، والعدل حنكة قضائية، وقد لا تكون طبيعة تخصص الوزير هي مصدر الإخفاق الوحيد في الأداء الوزاري، غير أنها بالتأكيد كانت حجر عثرة نحو تطوير الأداء في وزارات كثيرة.
سمو ولي العهد،
تعاني وزارات الدولة بشكل عام من انقطاع متكرر في الخطط والبرامج، بصورة غالباً ما تعيق عنصر الاستمرارية الذي يعتبر عنصراً هاماً جداً في أي خطة أو برنامج، وذلك لأسباب تعود مباشرة إلى سوء فهم للمنصب الوزاري لدى شريحة كبيرة من الوزراء، ممن تشغلهم أحياناً لهفة تسمية “الإنجازات” الوزارية بأسمائهم، ونسبها لحقبهم أكثر من جوهر تلك الإنجازات بحد ذاته! وهو أمر كثيراً ما عطل العمل في خطط وزارية كثيرة قد يشترط إنجازها بعداً زمنياً لا يقتصر على وزير واحد. وبما أن لكل وزير مشروعه الخاص، وجهازه الخاص، الذي يعلن من خلاله عن عزمه في “بداية مرحلة جديدة” وتصميمه على “تغيير جذري” وإعادة هيكلة وبناء.. فإن الخطط الوزارية دائماً تتمتع بعمر قصير يجعلها تشيخ في المهد، مما يصعب من عملية انتقالها الطبيعي والمنطقي إلى مرحلة النضج.
سمو ولي العهد،
لقد أصبحت الوزارة وبكل أسف هدفاً بحد ذاته لدى بعض الوزراء، يحقق من خلاله الوزير مكاسب وإنجازات أخرى ليست بالضرورة من صميم مهامه وواجباته، فأصبح التوظيف معه يتطلب تجديداً في الدماء يكون خاضعاً لمعايير مختلفة كالنسب والقرابة، والتقارب الفكري، والعقائدي، والسياسي، وهو أمر لم يخلق فوضى في العمل الوزاري وحسب، بل سبب قلقاً وهاجساً لدى الموظف من كل تغيير وزاري، قد يخلق مناخاً جديداً يرفضه أو يعزله أو يستثنيه من بعض حقوقه، حتى لقد أصبح الاستغناء عن عنصر رديء أو غير منتج في وزارة ما، معلقاً بقدوم وزير يختلف مع ذلك العنصر الرديء فكرياً أو عقائدياً أو عشائرياً!
سمو ولي العهد،
اسمح لي بأن أعود بسموكم إلى المناسبة التي دفعتني لأن أرفع حديثي إليكم، والتي كانت في تصريحكم بعدم مقدرتكم على تشكيل وزارة كل يوم، والتي سبق أن ذكرت أنها قد أثارت حزناً وخوفاً لدى المواطن من مغبة الدخول في نفق اليأس والعجز عن النهوض.
ولعلّ في مشاهدنا الأربعة ما يوحي بأن مشهد الخلاص هو رهن إعادة نظر جادة وصريحة في مفهوم التوزير وشروطه بشكل عام، فقد لا يكون الوزير ساحراً ما عليه سوى أن يومئ بعصاه لكي ينقلب الخلل إلى نجاح، غير أنه بالتأكيد يعتبر عاملاً رئيسياً في سبيل دوران العمل بالاتجاه الصحيح والمثمر.
وكل ما علينا لتحقيق ذلك هو الخروج بمهام الوزارة ودور الوزير من القالب الشكلي القاصر على الوجاهة والمنزلة الاجتماعية، إلى جوهر الأداء المتصل والعمل المتواصل الذي ينبع من أداء السابقين، ويصب في جهود القادمين والساعين في دروب البناء.
سمو ولي العهد،
لا يسعني في ختام أحاديثي مع سموكم سوى أن أقدم اعتذاري إن كنت قد أطلت عليكم، وأن أرفع شكري لشخصكم الكريم على حسن إصغائكم، وإذا كان في أحاديثي شيء من القسوة فإنها قسوة أملاها دافع الحب والخوف في آن واحد، الحب لهذه الأرض العزيزة الطيبة، والخوف من أن أكون قد قصرت في واجبي نحوها.
ومن مشهد الخلاص هنا، تبرق فسحة للأمل تدعونا لأن نتشح بالحب والخوف معاً في سبيل أن نخطو خطوات أكثر مهارة واتزاناً، نكون فيها جميعاً جنوداً رهن إشارة البدء بحب الوطن.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى