
هجوم متجدد على فرويد دون إلغاء الفرويدية
من الطبيعي جداً أننا جميعاً كبشر.. وباختلاف أعمارنا واهتماماتنا.. وثقافاتنا.. وبكل اختلافاتنا.. لا شك أننا نعبر بأزمات نفسية تتفاوت حدتها باختلاف ظروفها وكذلك فنحن جميعاً نلجأ إلى أساليب وطرق للقضاء أو للحذر من حالات التوتر والاكتئاب وغيرها من الانفعالات النفسية التي يعبر بها.
إلا أن الأمر بالنسبة لطبيب الأعصاب والعالم النفسي النمساوي سيغموند فرويد لم يكن بتلك البداهة.. فعلى الرغم من اهتماماته الأولى بفزيولوجيا الجهاز العصبي.. وبتشريح المخ.. إلا أن اهتمامه بحالات الهستيريا.. والأمراض النفسية الغامضة.. جعله يبحث عن أساليب أخرى تمكنه من الدخول في أغوار النفس البشرية.. ومن هنا شد رحاله إلى باريس للتعرف على تقنيات التنويم المغناطيسي في معالجة حالات الهستيريا.. ومن باريس إلى نانسي للتعرف على طرق التنويم الإيحائي التي كان يطبقها زميله برنهايم.
إلا أن تلك الأساليب لم تشبع طموحات فرويد الذي كان يرى أبعاداً أخرى لم تكتشف في النفس البشرية.. خاصة وأنه كان يرى في علاج حالات الهستيريا بواسطة التنويم المغناطيسي.. علاجاً مؤقتاً.. لإبطال أعماق النفس.. فهو علاج سطحي لظواهر مؤقتة.. دون الكشف عن الأسباب التي أدت إلى إبراز تلك الأعراض المرضية.
علم الأحلام
وقد بلغ فرويد مرماه من خلال عمليات الاسترخاء والتداعيات الحرة.. أملاً منه في سبر أغوار اللاشعور.. وحيث اكتشف فرويد ذلك تباعاً.. أن المضامين البعيدة أو المبعدة عن الشعور.. هي قابلة لأن تعبر عن نفسها عن طريق آخر عبر الأعراض العصابية.. بل من خلال أشكال ليست مرضية بالضرورة.. وخصوصاً من خلال الأحلام.. والتي كرس فرويد لتفسيرها دراسة أساسية بعنوان علم الأحلام سنة 1900.
والحديث عن فرويد وعن مساهماته في التحليل النفسي والذي بنى أساسه على متابعته لما أنجزه داروين في نظرية التطور البشري.. حيث لا ينتهي.. خاصة وأن التحليل النفسي يعتبر منهجاً لا غنى عنه الآن.. في صياغة تصور علمي للإنسان من حيث أنه حيوان سياسي.. وتلك تسمية جاءت كدليل على إسهامات فرويد في مجال النظرية السياسية.. والتي كان في كتاباته من مثل (علم نفس الجموع وتحليل الآنا) أثرها الأكبر الذي طال علم الأخلاق والدين والحضارة والسياسة.
هل فرويد مخطئ
الآن وبعد مضي كل هذه الفترة من الزمن على نظريات فرويد في النفس البشرية.. يطرح البعض تساؤلات هي في منبعها تعتبر هجوماً على إنجازات هذا العالم الكبير العلمية ومن تلك التساؤلات ما أثارته مقالة نشرت في مجلة التايم الأمريكية في عددها الصادر في 29 نوفمبر 93 حيث طرحت تساؤلاً خطيراً حول.. ماذا لو كان سيغموند فرويد مخطئاً.. وعلى الرغم من كون سؤال كهذا قد بقي عالقاً منذ أول ظهور لنظرية التحليل النفسي (الفرويد).. في نهاية عام 1890.. إلا أنه الآن يطرح بصورة ملحة أكثر من أي وقت مضى وهناك من يفسر ذلك التساؤل الذي يثيره البعض تجاه ما أنجزه فرويد منذ قرن من الزمان.. يفسره البعض بأنه تساؤل طبيعي تفرضه مرحلة انهيار الكثير من النظريات التي عاصرت مرحلة فرويد وشكلت ملامح القرن العشرين.. فانهيار تطبيقات الماركسية.. وغيرها من نظريات القرن العشرين.. تمضي كالحصان الجامح الذي يصعب اعتراضه أو إيقافه.. ولعل المخاوف التي يثيرها العلماء تكمن في مصير العقل البشري إذا ما أنهار صرح فرويد مثلما انهار صرح ماركس.
إلا أن بول جراي كاتب المقال يطمئننا إلى أن ذلك لا يمكن أن يحدث بالصورة التي حدث فيها انهيار الماركسية.. فقد يكون هناك تعديل لبعض ما جاء به فرويد.. تفرضه ظروف جديدة لم تكن قائمة إبان نظرياته في علم النفس.. قد يكون منها.. التزايد السريع في المشاكل المتعلقة بالاغراءات الجنسية.. خاصة في الولايات المتحدة.. مثل العنف الجنسي.. والطقوس الشيطانية.. وغيرها من الأفعال.. والتي كانت تخضع لتفسير فرويد الذي كان يرى أن الحياة الجنسية للراشد مشروطة.. ولا سيما عند العصابي.. بأحداث عاشها في طفولته.. وبقيت كامنة في اللاشعور.
من المستجدات العصرية التي فرضت مراجعة نظريات فرويد وكما يرى جراي. استخدام العقاقير والأدوية في التخفيف من حالات العصاب سواء كانت حالات اكتئاب أو حتى حالات الفصام.. وهو أسلوب علاج لم يكن متوفراً فيما قبل قرن من الزمان.. ويشير المقال إلى أن هنالك عشرة ملايين أمريكي على الأقل.. يتعاطون أدوية لعلاج حالات العصاب التي تعتريهم.. وللإنصاف.. فإن فرويد قد ذكر في عام 1938.. أي قبل وفاته بسنة واحدة في إحدى كتاباته.. أن المستقبل قد يعلمنا أسلوباً مباشراً أكثر للتحكم في حالات العصاب.. باستخدام مستحضرات كيميائية.. إلا أنه وبالرغم من ذلك فلا يمكننا أن نتجاهل أن الأدوية والعقاقير قد حلت محل العلاج بالتحليل النفسي في معظم الأحيان ولم تخل مناقشة الكونغرس الأمريكي لبرنامج الرئيس كلينتون الصحي.. من إشارة إلى العلاج الفرويدي. فعلى الرغم من أن البرنامج هو أساس لتأمين علاج صحي للشعب الأمريكي. بما في ذلك علاج حالات العصاب.. إلا أن أغلبية الكونغرس كانت حريصة على عدم إدراج العلاج الفرويدي ضمن برنامج الضمان الصحي.. فمن المعلوم أن خمسين دقيقة من العلاج النفسي تكلف ما يقارب 125 دولار.. وهو أمر يدعو بلا شك بطبيب مثل الدكتور فردريك جودوين مدير مستشفى للعلاج العقلي… إلى تأكيد حرصه واهتمامه شخصياً بالإعجاب بفرويد المنظر فقط خاصة أن العلاج على طريقة فرويد في مستشفاه يتطلب جلسات مستمرة بين أربع وخمس مرات في الأسبوع وعلى مدى أربع أو خمس سنوات!!
الطبيب الساحر
الهجوم على فرويد لم يأت من جانب المهتمين والقائمين على الصحة النفسية وحسب.. بل أيضاً من أساتذة من حقول تعليمية مختلفة.. فمنهم من رأى أن فرويد جعله يبدو كما لو كان محاصراً بأفكار ثابتة.. هي ما يحمله الباطن أو اللاشعور.. ولعل أكثر المهاجمين لفرويد هم أدباء القصة والرواية.. والذين يبنون أعمالهم على القدرة البشرية على التخيل والإبداع.. وبحيث يصف أحد الأدباء فرويد بالطبيب الساحر..
وقد كان رد الفعل المتوقع من قبل المؤمنين بنهج ونظريات فرويد هو في شدة حماسهم لتفسير ذلك الهجوم.. فهم يرون في مقاومة ما جاء به فرويد أساساً مرضياً في اللاشعور لمنتقديه.. بل ولقد ذهب البعض إلى تفسير ذلك التردد والمقاومة بأنها تعبير عن مخاوف كامنة من سبر لا شعورهم شخصياً. إلا أن مثل هذا الدفاع قد تراجع كما يبدو.. إثر اكتشاف بعض الكتابات التي تخص فرويد وجماعته.. والتي رأى فيها أولئك النقاد.. جواباً شافياً لكل ما أثاروه من تساؤلات حول فرويد ونظرياته في اللاشعور.. والكبت، والهذا والأنا والأنا الأعلى.. ومن تلك الكتابات ما يكشف عن أسباب انفصال فرويد عن زميله العالم النفسي كارل يونغ في العام 1914.. والذي جعل الانقسام يمتد إلى اتباع العالمين.. بحيث أصبحوا إما فرويديين أو يونغيين. والتساؤل الذي يثيره منتقدو فرويد هو عن الأسباب التي تجعل علاقة عمل حميمة كالتي كانت بينه وبين يونغ تتحول إلى عداء وتنقسم إلى مدرستين!! ويمضي الباحثون في أمر العلاقة تلك إلى التأكيد على أن فرويد ويونغ قد انشغلا بتراشق تهم ذات مكنون وأساس جنسي.. حيث رأى فرويد أن يونغ على علاقة بإحدى مريضاته.. وفي نفس الوقت رأى يونغ أن فرويد على علاقة مشبوهة بشقيقة زوجته.. وأن كلا العالمين.. قد رأى أن من الحكمة التراجع خشية انهيار أعمالهما.. وإنجازاتهما في حال انتشرت أنباء فضائحهم تلك.
إلا أن تلك الاتهامات التي وجهت إلى فرويد سرعان ما جاءت الإجابة عليها بكونها شؤوناً شخصية.. لا علاقة لها بأعماله.. ونظرياته.. وهي بذلك… وكما وصفها أرنولد رويتشاردز رئيس تحرير مجلة الاتحاد الأمريكي لمدرسة التحليل النفسي.. لا تحمل أي مصداقية علمية.. ولا تمت بصلة إلى فرويد ونظريته.
وعلى الرغم من كل الانتقاد الذي وجه إلى فرويد وأعماله إلا أن أسباب النقد قد اختلفت.. فبعض نقاده رأوا في أسلوب علاجه ما يشبه أداء المخبر الذي يبحث عن أسباب الجريمة.. وقد كان ذلك التفسير بناء على قول لفرويد بأن عليه أولاً مواجه المريض بعلة مرضه أولاً.. ومواجهته مباشرة.. وذلك أسلوب رأى فيه نقاد فرويد أسلوباً مثيراً على طريقة محللي الجرائم والباحثين عن فاعليها.
المنظر والمنفذ
إلا أن هذه الفئة من النقاد.. لا تزال تحمل إعجاباً بفرويد وأعماله.. لذلك فهم يرون إن فشل فرويد في علاج بعض الحالات.. وضعف مساهمته في الإشراف على الحالات المرضية بنفسه.. لا يمكن أن يكون دليلاً على فشل نظرياته.. فالمنظر دون شك، لا يعني بالضرورة المنفذ. الفئة الأخرى من النقاد.. تبني نقدها على أساس أن نظريات فرويد تفتقد للبرهنة.. وكما يقول البروفيسور أدولف جرنيم.. أستاذ العلوم في جامعة بطرسبرج..
فنظرية من مثل كبت الذاكرة.. واللاشعور.. والإعلام ليست خاطئة ولا مرفوضة.. وإنما تفتقد إلى تفسير السببية.. وحيث يشير البروفسور أدولف إلى أن أحداً من زملاء فرويد الذين أتوا من بعده لم يحاول أن يستعرض علاقة السبب والنتيجة في ظاهرة الأحلام.. وعلاقتها في تشخيص بعض حالات المرض العقلي.. والاكتئاب.. فالقول بأن أحدهما قد حدث.. وأن الآخر قد حدث كذلك لا تعطي تعليلاً جيداً على علاقة السببية بين الاثنين. ويرى أدولف أن الخلل في نظريات فرويد سواء في نظرية الأحلام.. أو الكبت.. أو زلات اللسان. ليس في حقيقة وجودها من عدمه.. وإنما من تعليل علاقتها بحالات القلق والاكتئاب والأمراض ذات الصلة بالعقل والنفس.. فكل نظريات فرويد تنقصها البرهنة.. وذلك سبب رئيسي وراء تأرجحها المستمر بين الاعتراف.. واللااعتراف بها. إلا أن السؤال الذي يطرحه جراي في مقاله.. هو إلى أي حد تبدو نظريات فرويد متأرجحة.. وهنا لا يملك جراي.. والذي لا يخفي على المتابع لمقالته.. إحساسه الشخصي تجاه فرويد ورفضه الصريح لكل ما جاء به من نظريات في التحليل والعلم النفسي.. لا يملك إلا أن يقفز برأيه.. ويخرج برأسه معلناً رأيه الشخصي وسط الآراء التي تعرض لها في مقالة.. فيقول: إن نظريات فرويد كلها لا تعدو احتمالات.. وأن السبيل الوحيد هو رفضها لكونها غير قابلة للبحث العلمي.
الفرويدية ما زالت قائمة
وكما لو أن جراي قد خاف أن ينعت باللامتحضر.. أو اللاعلمي.. فيشير فيما بعد من خلال مقاله.. أن كل ذلك النقد لم يمنع من امتداد العلاج بالتحليل النفسي يشمل أسبانيا.. وإيطاليا.. وأمريكا اللاتينية.. إلى جانب أجزاء كبيرة من الاتحاد السوفيتي المنحل.. وحيث كان محظوراً فيما قبل ولم يؤثر نقد فرويد على أعداد السياح المتجهين سنوياً إلى متحف فرويد في لندن.. حيث ما زالوا يطوفون بمنزله في ضاحية هاميستيد الإنكليزية.. وحيث كانت تقطن ابنته حتى قبل وفاتها في العام 1982.. وحيث لا تزال مكتبته.. وكتبه بل والمقعد المخصص للاسترخاء واستدعاء كوامن اللاوعي.. والعقل الباطن. كل تلك المعالم تستقطب ما يزيد عن ثمانية عشر ألفاً من السياح سنوياً.
التحليل الفرويدي.. والعلاج الفرويدي.. ما زالا قائمين.. بالرغم من كل علامات النقد التي أصبحت توجه إلى النهج الفرويدي.. وما زال الكثير من معالجي الحالات النفسية يلجأون إلى طرق فرويد في العلاج.. وهم في دفاعهم يرون أن التحليل الفرويدي لا يعود إلى فرويد وحده وحسب.. فمذهب التحليل النفسي كالشجرة نفسها.. أو إلى فرويد نفسه.. حتى وإن لم يتكئ الغصن مباشرة على جذع الشجرة! وفي ذلك التشبيه ولا شك.. تأكيد على أهمية الدور الذي ما زال مرتبطاً بالنظرية الفرويدية.
ويستعين جراي في نهاية مقاله بتجربة لأحد الأساتذة في جامعة كاليفورنيا.. حيث طبق فريدريك كروز الفرويدية في دراسة الأدب.. وشجع تلاميذه على الأخذ بالاثنين معاً؛ فبحسب رأي كروز.. فإن القول بعدم صحة نظريات فرويد وبكونها بعيدة عن التحليل والدراسة المخبرية.. هو أمر خطر لنا جميعاً، فالعالم قد لا يحتمل أن يجد نفسه فجأة بدون فرويد أو نظرياته.
إلا أن جراي سرعان ما يدخل في مناظرات الأدباء والعلماء بشأن النظرية الفرويدية ملقياً بدلوه في وسط الآراء المتضاربة. فهو يرى أن فرويد ليس أول من جاء بنظرية العقل الباطن.. فتلك لها تاريخ علمي طويل.. كما ولم يتطرق فرويد إلى تفاصيل التجربة المخبرية والتي أجراها أحد الأساتذة في جامعة روكفلر بقصد دراسة الأحلام والنوم كظواهر نفسية.. والتي استطاع أن يبني عليها رأيه القائل بوجود بنية نفسية فيما تحت بنية الوعي.. إلا أن ذلك لا يعني ولا يثبت صحة ما جاء به فرويد فكل ما جاء به فرويد.. وبحسب رأي كاتب المقال جراي.. لا يمكن اعتباره علماً.. انطلاقاً من صعوبة إخضاعه للبرهنة المخبرية.. لذلك فإن نتائجه لا تعدو أكثر من محاولات لاستشفاف حقائق تبينها الصدف البحتة.. فهناك من يقرأ الشخصية من قصص جمجمة الرأس.. وهناك من يلجأ إلى معرفة باطن النفس بالتنويم المغناطيسي.. وغير ذلك من العلوم المزيفة.. والتي كانت رائجة في مراحل مختلفة من حياة البشر، ومع ذلك فإن التأكيد على ما جاء به فرويد من أننا جميعاً مملوئين بالقصص الحزينة.. والمعاني المثبتة في داخلنا.. تجعلنا ولا شك نتلهف إلى معرفة تفاصيل تلك القصص قبل أن تشفينا منها مدرسة فرويد الباطنية.. ونعالجها قبل أن نقف على تفاصيلها!!
