نسبة المشاركة الكبيرة ونبذ الاصطفاف الطائفي في القوائم الانتخابية بداية التغيير / التحول الديمقراطي في العراق هاجس للقوى الإقليمية والدولية
[جريدة الطليعة 10/3/2010]

بعد انسحاب الجيش العثماني من بغداد دخلت القوات الإنكليزية إليها يوم 11 مارس 1917 بقيادة الجنرال مود، الذي أعلن في منشوره الشهير مقولته الأشهر: “يا أهل العراق، جئناكم منقذين لا فاتحين، فجيوشنا لم تدخل مدنكم وأراضيكم بمنزلة قاهرين أو أعداء بل بمنزلة محررين”
وبالطبع، فقد حمل التاريخ تفاصيل وأحداثاً مناقضة لتلك المقولة، ورزح العراق لسنوات طويلة تحت الاحتلال، ثم مُني بسلسلة من القلاقل والحروب، وبأنظمة سياسية فاسدة ومفسدة، ثم أخيراً باحتلال أمريكي منذ عام 2003.
اليوم، ومع اكتمال الانتخابات العراقية بنسبة تصويت عالية، يتكرر السؤال حول مصير العراق، ودوره المفقود في المنطقة.
لقد اكتسبت بلا شك هذه الانتخابات، التي تعد الثانية دستورياً بعد الإطاحة بالنظام السابق، أهمية كبيرة ليس على مستوى العراق فحسب، وإنما على المستويين العربي والغربي.
أعد التقرير: سعاد المعجل
عربياً، هناك قلق وهاجس غير مُعلنين من تحول ديمقراطي حقيقي في العراق! فالعراق ليس دولة عربية عادية، فهو دولة تحوي جميع مقومات النهوض، أرض شاسعة، أنهار، بيئة زراعية خصبة، قاعدة صناعية، تاريخ سياسي ثري، وأخيراً بترول يفوق في حجمه ما هو موجود في جميع دول النفط! وفي المقابل هناك عالم عربي يحيط بالعراق وهو مرهق تحت وطأة الفساد السياسي والفكري، ينتظر أن تقف دولة عربية بحجم العراق على أرجلها من جديد لتبعث فيه الأمل بولادة البديل الذي قد يستطيع ترميم البيت العربي، وإحياء النفس العربية التي خذلتها وكسرتها طويلاً أنظمة إما فاسدة فكرياً وسياسياً، وإما متسلقة دينياً وعقائدياً! وهو أمر أفقد المواطن العربي امتياز الاختيار، وأصبح محاصراً في دائرة الفساد الفكري والسياسي والديني الضيقة.
لكن، وبقدر ما، يشكل عراق ديمقراطي بارقة أمل للمواطن العربي، إلا أنه، وفي الوقت نفسه، يشكل “بُعبُعاً” وهاجساً للأنظمة العربية ولدول أخرى تقتات سياسياً من مصائب العراق وحروبه! فعراق ديمقراطي يعني خطراً مباشراً على تركيا، وهموماً لسوريا، وتحدياً لباقي منظومة الدول المجاورة والشقيقة، والتي قد تختلف في كل شيء، لكنها تتفق على خطورة أي توجه ديمقراطي يستقر في العراق، وبالتالي فهي لا تتردد في تقديم مساهماتها لإبقاء الوضع المتأزم في العراق على ما هو عليه، واقتسام كيكة المصائب العراقية!
قد لا ننتظر تحولاً دراماتيكياً في العراق بعد الانتخابات الأخيرة، لكنها ستُشكل حتماً مؤشرات نهوض في العراق قد تختصر زمن انتظارنا لنهوض عربي جاد وحازم. فبالإضافة إلى كل مقومات النهوض التي أشرنا إليها في البداية، فإن العراق يقف على قاعدة صلبة من الممارسة السياسية المحنكة، وبالإضافة إلى الأحزاب السياسية المعروفة، هناك أحزاب صغيرة آخذة في التشكل ومن ثم الانصهار في بوتقة العمل السياسي والحراك الفكري بشكل عام، وقد صدقت المقولة الشائعة بأن الكتاب يُكتب في مصر، ويُطبع في بيروت، ويُقرأ في العراق.
ذلك كان على المستوى العربي، أما على مستوى الغرب الصناعي، فقد سعت تلك الدول، ومنذ الحرب العالمية، للتنافس على هذه البقعة الاستراتيجية، التي تضاعفت أهميتها بلا شك في أعقاب تفجر الثروة النفطية، فجعلت الغرب الصناعي يصر، وبشتى الطرق، على تمديد فترة هيمنته عليها! وهي كذلك ـ أي دول الغرب ـ تقلقها أي ملامح حقيقية وجادة للنهوض، بما في ذلك التحول الديمقراطي، لأنه يعني، وببساطة، وعياً وحرية في تقرير المصير، وهو أمر يتعارض مع استراتيجية الغرب في كيفية التمتع بثروة العراق وموقعه الاستراتيجي، فمن الطبيعي أن قيادة عراق متخلف أسهل بكثير من قيادة عراق ديمقراطي واعٍ لحقوقه وقادر على استغلال موارده بالشكل الصحيح. العراقيون، بلا شك، يعقدون الكثير من الآمال والطموحات على نتائج الانتخابات الأخيرة. فهي مرحلة جديدة من الديمقراطية والحرية بعد سنوات طويلة من القمع والحروب والأزمات. ولكي لا نسرف في الأمل، فإننا سنرصد مؤشرات من الانتخابات الأخيرة، إن هي تحققت يكون العراق قد خطا أولى خطواته في طريق النهوض الصحيح، أولاها أن يخرج العراق من وهم التقسيم الطائفي الذي لم يكن أبداً عنصراً في الصراع السياسي، وثانيتها أن يقمع العراق فكرة التقسيم القبلي الذي عادة ما يظهر في غياب الدولة، والذي حاول صدام حسين إشعاله لتحصين نفوذه! وأخيراً، أن يتصدى العراق لقوى الفساد، ولظاهرة الفساد بشكل عام. هذه كلها إذا ما تحققت تكون الانتخابات الأخيرة قد آتت ثمارها.
دلالات ومؤشرات
لا شك أن الانتخابات العراقية الأخيرة بدت تحولاً مفصلياً في المشهد العراقي المأزوم لتعلن بداية طريق طويل من الانفتاح السياسي والديمقراطية. ولعل هذه الجولة السياسية أبرزت بوضوح لمختلف الفرقاء سقوط مرحلة تغول الأحزاب الدينية في ظل تنامي حركات المواطنة والدعوة إلى المدنية ضمن سياق محلي يتميز بالتنوع البشري والثقافي والديني والسياسي. فبعد مئات الآلاف من القتلى والجرحى والمشردين واللاجئين من كل الطوائف والملل والتيارات اقتنع العراقيون أن الطريق ليس طائفياً هذه المرة، وأن الدولة المدنية هي المسار الصحيح للإنقاذ من تجاذبات الداخل والخارج. صحيح أن سطوة الأحزاب الدينية والمحسوبين عليها لا تزال تحظى بحضور قوي وعميق في المشهد السياسي، إلا أن إرادة الحياة والحرية جمعت العراقيين مجدداً لبناء مستقبل واحد، فكانت نسبة الإقبال المرتفعة على صناديق الاقتراع للمشاركة في تحديد مصير العراق مقدمة لرفع تحديات الاحتلال والعلاقات مع الجوار، واستقراء أبعاد التموقع الاستراتيجي إقليمياً ودولياً.
صعوبة الحصول على التمويل
