الأرشيف

لغة الحريق لغير الناطقين بلغة الحوار

[جريدة الطليعة 26/11/1997]

الحادث الذي تعرض له مقر النائب الفاضل “عبدالله النيباري” لم يلق نصيبه من الاهتمام، لأسباب لا تتعلق بحجم الحادث، بقدر ما هي متعلقة بسخونة الأحداث السياسية وقتها، حيث ألقى التصعيد العراقي مؤخراً، والتأهب العسكري الدولي، بظلاله على جريمة لا تزال بانتظار ردود الفعل الشعبية تجاهها.
نحن بلا شك لن نستطيع أن نعزل حادث الحريق عن قرينه حادث الاغتيال. من حيث أن كليهما موجه وبصورة مباشرة إلى شخص النائب “عبدالله النيباري”. كما أننا أيضاً لا يمكننا أن نعزل العلاقة المباشرة بين الحادثين وما يمثله النائب الفاضل من مواقف. أبرزها على الاطلاق موقفه الصلب والعنيد من قضايا الفساد والتعدي على المال العام!!
وكلا الحادثين بلا شك قد أثار قلقاً على المستوى الشعبي والرسمي ليس لسمة العنف التي اتسم بها كلاهما وحسب، وإنما لأن الحادثين يأتيان بمثابة شواهد محزنة ومخيفة تتم عن درجة التدني والتراجع التي أصابت قدرتنا ورغبتنا في الحوار والنقاش. فالعنف أياً كانت درجته وأياً كان مرماه يعتبر مؤشراً على غياب أو خلل وقصور في فاعلية وجدوى قنوات الحوار والنقد الحضارية، والمعتمدة عادة في المجتمعات الديمقراطية.
لقد استطعنا وكوطن صغير أن نستمد من ديمقراطيتنا وحواراتنا خصوصية طالما ميزتنا عن محيطنا الخليجي خاصة. وحوادث كهذه لا تعيق مسارنا الديمقراطي التنموي وحسب، بل هي تقف كشواهد على احتمالات أصعب وأكثر إثارة للقلق والخوف، مصدرها أننا أصبحنا مشرفين على مرحلة اللاعودة، والتي تشهدها مجتمعات سياسية أخرى، أصبحت فيها لغة الدم أقوى وأمضى من لغة الحوار. وحل فيها السلاح محل القلم، بصورة تراجعت معها مشاريع التنمية والتطوير لمصالح مشاريع المؤامرة والمراوغة. ووأد الرأي الآخر!!
علاقة الحادثين اللذين تعرض لهما النائب الفاضل “عبدالله النيباري” بمسلسل الفساد، هي بلا شكل علاقة واضحة، لا تخطئها عين الطفل الصغير. وإذا كانت محاولة الاغتيال في يونيو الماضي تقف كدليل على ضجر البعض من إصرار بعض الرموز الوطنية الصادقة على محاربة الفساد، وإشهار أهله ومروجيه!! فإن حادث الحريق يأتي شاهداً على درجة النفوذ والامتداد والتغلغل التي أصبح عليها مروجو الفساد وأهله معلنين بذلك وجودهم.. وحرية حركتهم.. رغم ما تم من إجراءات قانونية. وذلك بلا شك مؤشر خطر يعني أننا قد أصبحنا نخطو نحو حلقة اللاعودة حيث تطغى الفوضى والتسيب على كل ما بحوزتنا من إرث الحوار ودولة القانون وسيادته.
حين وقع حادث الاغتيال الذي تعرض له النائب “عبدالله النيباري” وحرمه، استعان بعض الطموحين إلى معالجة جادة وحكيمة للحادث، بتاريخ طويل لقضاء مشرف ونزيه في هذا الوطن، في حين ثارت شكوك البعض حول قدرة القانون على احتواء ذيول وأطراف الحادث.
واليوم يأتي حادث الحريق ليحسم ذلك التباين بين كلا الرأيين، بصورة تدفع بالفوضى لتكون هي سيدة الموقف وسمته منذرة بمناخ رمادي الصورة والفعل.
إن المحاولات التي لجأت وتلجأ إليها أجهزة الدولة الرسمية في محاولتها للإيحاء بعدم وجود دافع عدواني أو اعتداء متعمد في حادث الحريق الأخير هي بلا شك محاولات تنم عن تجاهل مفرط لوعي المواطن وإدراكه، ولدرجة تفاعله مع الحرب التي يشنها بعض المخلصين ضد الفساد وأعوانه والتي تصدرت أولويات المواطن خاصة في المرحلة التي أعقبت تحرير الوطن وذلك بلا شك تجاهل يبرر شكوك البعض حول مدى تورط بعض أجهزة الدولة الرسمية وبعض المتنفذين فيها في ملفات الفساد وقضاياه، مما يخلق هوة سحيقة بين النظام بأجهزته من جهة وبين المواطن بوعيه ويقينه من جهة أخرى. بمعنى آخر أن هنالك شرخاً كبيراً آخذاً في الاتساع يتعلق مباشرة بقدرتنا على المواجهة والحوار.
إن حوادث العنف سواء كانت مما تعرض له النائب “عبدالله النيباري” أو “حمد الجوعان” أو “هلال الساير” أو غيرهم. قد أصبحت سمة واضحة سيطرت على أسلوب الاختلاف وصيغة الحوار التي سادت فيما بعد الغزو. وهي وإن كانت ظواهر شاذة لم نعتدها بعد في هذا الوطن، إلا أن كل المؤشرات والدلالات تؤكد احتمال تصاعدها وتكرارها بصورة تتطلب تعاملاً جدياً معها قبل أن تتطور وتصبح أداة معتمدة في حسم الخلافات والاختلافات تتراجع معها لغة الحوار والنقاش بالصورة التي نشهدها في مجتمعات عربية أخرى طغت فيها آلة العنف على كل جهود ومحاولات الحوار، ودخل معها المجتمع والدولة إلى مرحلة اللاعودة، بعد أن أصبح للدماء والعنف جذوراً متأصلة في النسيج والبنيان السياسي والاجتماعي.
نحن بلا شك لا نزال نمتلك الكثير من حكمة الحوار التي لا يريد أحد أن يلغيها لمصلحة العنف والدماء. ولعله من الصالح العام أن يبادر المجتمع السياسي بجهود مكثفة ليقطع الطريق على هواة العنف ومحترفي الجريمة من غير الناطقين بلغة الحوار قبل أن نجد أنفسنا جميعاً في دهاليز مظلمة من نقطة اللاعودة!! تسود فيها لغة الحريق.. فتلغي لغة الحوار!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى