الأرشيف

ديمقراطية الكرة!

[جريدة القبس 24/11/2009]

تنبأ المفكر والمحلل السياسي فرانسيس فوكوياما بنهاية التاريخ، وذلك حين سقط جدار برلين، وانحل الاتحاد السوفيتي، وخمدت الحرب الباردة، وخف معها وهج صراع القطبين، وزال معه هاجس البشرية باحتمال نشوب صراع وحرب نووية!
لكنه عاد وبعد بضع سنوات لينكر أن تاريخ هذه الحقبة قد انتهى، وليبدأ معها بإصدار كتبه التي تتناول صراعاً أشرس من الصراع النووي الذي ساد الأرض لخمسين عاماً، صراعاً يرى أنه جاء كأمر مفروغ منه ونتيجة مباشرة للصراعات السابقة!
نحن في الكويت، تصورنا بعد كارثة الغزو أننا قد طوينا صفحة ماضية من الصراع، وبدأنا بعد التحرير في كتابة تاريخ جديد ممهور بدماء مئات الشهداء، وآلاف المتضررين من جريمة الغزو، تاريخ فرضه علينا واقع الخطر المشترك ووحدة الآمال المستقبلية! لكننا – على ما يبدو- قد أخطأنا في نبوءتنا هذه، تماماً كما أخطأ فوكوياما في تصوره لنهاية التاريخ!
حالة التشنج التي تعيشها البلاد كلها اليوم، والتي نراها ونلمسها في الرياضة وفي مجلس الأمة، وفي الاقتصاد، بل حتى في اجتماعات الجمعيات العمومية للشركات والمؤسسات المالية! ما هي إلا استمرار للصراع الذي بدأ في سنة المجلس عام 1938، واستمر في خمسينيات القرن الماضي، قبل أن يحسم – المغفور له- الشيخ عبدالله السالم جانباً واحداً من ذلك الصراع، وذلك حين صدق على وثيقة الدستور في عام 1962!
وإذا كان الدستور قد خفف من وطأة الصراع في الكويت وحدّته، لكنه لم يحسمه بالصورة التي تؤمن للكويت مسيرة مستقيمة بلا عقبات ولا عراقيل!
الفوضى التي أحدثها تمرد أحد الأطراف على قرار الهيئة العامة للشباب والرياضة، تعكس وبدقة طبيعة المشاكل في الكويت! فقرار الهيئة يستمد قوته من القانون ومن الشرعية الكويتية، قبل أن يلتف عليه من رفض تطبيق القوانين السيادية وأصدر البيانات التي تناقض الحقائق والمراسلات، وترفض القانون الصادر!
ما حدث في الرياضة إذن يلخص ما يحدث في الكويت بشكل عام! فالدستور الوثيقة المصدق من النظام والشعب على حد سواء، يتم الالتفاف عليه وتأويله من قبل فئة لاتزال ترى فيه خطأ تاريخياً يجب تقويمه وبصرف النظر عن الخسائر المتوقعة!
تماماً كما تجاوز البعض قرار الشرعية الكويتية والقانون الذي أصدرته هيئة الشباب والرياضة، ورفضوا الانصياع للقانون!
الدستور، والقوانين، وحدها لن تؤمن مناخاً سياسياً سليماً وسلساً ما لم يصاحب ذلك يقين وإدراك لدى الأطراف كلها لضرورة احترام العقود التي وضعت لتأطير أسس العلاقة بين هذه الأطراف!
لم يحسم إذن صدور الدستور الصراع القائم في الكويت، ولم تغير كارثة بحجم الغزو طبيعة الصراع وشكله! ولم ينته بعد التاريخ الكويتي، لأن ديمقراطية الكرة التي رأيناها في تمرد فئة على القوانين والعقود المكتوبة، هي الديمقراطية السائدة في عرف البعض! وهي -أي ديمقراطية الكرة- تعكس جذور الصراع الذي لم يحسم بعد، صراع بين فئة ترى في المواثيق والقوانين والدستور عقوداً مؤجلة وليست ملزمة، وأخرى ترى فيها أساساً وركيزة لدولة حضارية ونظام منصف وعادل!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى