غير مصنف

القرآن مصدر طمأنينة لا ترهيب

[جريدة القبس 24/4/2012]

ما الذي أوصلنا يا ترى إلى درجة الاستعانة بقانون لحماية موروثاتنا العقائدية والدينية؟ وكيف وصلنا إلى درجة تغليظ العقوبة، والمطالبة بإعدام المسيئين للذات الإلهية، والأنبياء، وعرض الرسول c؟ وما الأسباب التي أدت إلى تراجع قناعاتنا ويقيننا الديني، بالرغم من كل مظاهر الدعوة، ولكل جهود الدعاة، وهذا الكم الهائل من الوعظ الديني والإرشاد والمحاضرات والندوات والنوادي والمخيمات الدينية؟!
قانون تغليظ العقوبة على المسيء للذات الإلهية والأنبياء والرسل، وإقرار عقوبة الإعدام في المداولة الأولى، يستدعيان التأني قبل أن نجد أنفسنا في مواجهة معضلة تفسيرية وتأويلية لحيثيات القانون، والعقوبة منها ما هو فقهي ويتطلب إشراك باقي المذاهب!
أتت الأديان لتشكل مجتمعات متآلفة متراحمة، F: ﵟوَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِـينَ ١٠٧ﵞ ﵝالأَنبِيَاء : ﵗﵐﵑﵜ a ، وحرصت جميعها على التذكير بمبدأ التسامح الذي تأتي مرتبته في الإسلام عالية، ومن هنا كان قول رسول الله c حين دخل مكة منتصراً بأن من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، وعلى الرغم من بقاء أبي سفيان على كفره، فإن الرسول  لم يُقم عليه حداً ولم يأمر بقتله، بل أمّن سلامته!
القرآن والأحاديث ممتلئة بآيات وأقوال التسامح والمغفرة التي تنم عن ديمقراطية النص القرآني، والتي تجاوزت في حياديتها كل النصوص والقوانين الوضعية.
F: ﵟوَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبـِيٍّ عَدُوّٗا شَيَٰطِينَ ٱلۡإِنسِ وَٱلۡجِنِّ يُوحِـي بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ زُخۡرُفَ ٱلۡقَوۡلِ غُرُورٗاۚ وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُۖ فَذَرۡهُمۡ وَمَا يَفۡتَـرُونَ ١١٢ﵞ ﵝالأَنۡعَام : ﵒﵑﵑﵜ a.
لا أدافع هنا إطلاقاً عمن مسّ الرسول c بأذى لفظي، ولا أبرر تطاول البعض على قدسية النص والقرآن، لكنني أخشى أن تجرفنا الخلافات والاختلافات إلى تجريد الدين من قيمته التسامحية الرائعة، التي تجّلت في الآيات القرآنية.
F: ﵟوَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشۡـرَكُواْۗ وَمَا جَعَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ حَفِيظٗاۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡهِم بِوَكِيلٖ ١٠٧ﵞ ﵝالأَنۡعَام : ﵗﵐﵑﵜ a.
الدفاع الحقيقي عن الدين لا يكون إلا باتباع نهجه، “ولكم في رسول الله قدوة حسنة”، فكم من الأمور الرائعة في الإسلام نتجاهلها نحن يومياً في حياتنا، وكم من العظات والدروس نتجاوز عنها في زحمة الحياة ومشاغلها!
البداية الحقيقية في الدفاع عن العقيدة، هي في إحياء حدود الله التي تنظم الحياة البشرية: ﵟوَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗاۖ وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُم مِّنۡ إِمۡلَٰقٖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكُمۡ وَإِيَّاهُمۡۖ وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَۖ وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّـتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ١٥١ﵞ ﵝالأَنۡعَام : ﵑﵕﵑﵜ، والقرآن مملوء بالآيات التي تحض على الأخلاق، والتسامح، والمغفرة، والعفو!
هنالك سؤال ملحّ، أود أن أوجهه إلى الذين يطالبون بتطبيق الشريعة، ويرفضون جميع أشكال القوانين الوضعية، السؤال هو: هل يمكن اعتبار قانون إقرار عقوبة الإعدام للمسيء وضعياً أم لا؟ والسؤال حتماً سيقودنا إلى الآية الكريمة التي تقول: ﵟوَقُلِ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡﵞ ﵝالكَهۡف : .
لنصل إلى خلاصة بأن القرآن بعظمته قادر على احتواء القوانين وليس العكس، وهو مصدر للطمأنينة وليس الخوف والترهيب!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى