
تُعتَبَر المؤسسات الرقابية، في أي مجتمع كان، مؤشراً من مؤشرات النضج السياسي، ومحفزاً ضرورياً للاستقرار، ومانعاً صلباً لأي شكل من أشكال الفوضى السياسية أو الإدارية، فهي في نهاية الأمر المحطة الرئيسية وصمام الأمان الذي يخدم كل الأطراف.
تأتي عادة الإشكالية الأولى أمام مثل هذه المؤسسات، حين تتقلص استقلاليتها بأي شكل، وتحت أي ظرف، أو تتراجع إمكانياتها في رقابتها لأي سبب كان.
للكويت تاريخ ناصع في تأسيس ووضع تشريعات راعية لمثل هذه المؤسسات الرقابية، بدأً بمجلس الأمة، وديوان المحاسبة الذي صدر بقانون في عام 1964، وقانون المناقصات العامة، وقانون حماية المال العام الصادر في عام 1993، ثم مصادقة الكويت على الانضمام لاتفاقية الأمم المتحدة في شأن مكافحة الفساد، وقانون هيئة أسواق المال وتنظيم نشاط الأوراق المالية، بمعنى آخر أن الكويت تمتلك منظومة متكاملة من الأجهزة الرقابية، التي تعمل على محاصرة كل أشكال الفساد المالي والإداري، وهي متعددة ومختلفة في أدوارها، وكما ذكرت، كالهيئة العامة لمكافحة الفساد، وديوان المحاسبة وجهاز متابعة الأداء الحكومي، والمجلس الأعلى للتخطيط والتنمية، وقسم الرقابة المالية في وزارة المالية، ووحدة التحريات المالية، وأجهزة التدقيق والتقييم الداخلية، ولجنة الميزانيات والحساب الختامي التابعة لمجلس الأمة، وغيرها الكثير. وبمعنى آخر أيضاً، تملك الكويت بُنية سياسية وإدارية صلبة لتفعيل الرقابة والمحاسبة، حتى أن أحد الأخوة الخليجيين أشار، في ندوة له حول مكافحة الفساد، عقدها في الكويت، موجِّهاً حديثه إلى أحد المسؤولين الكويتيين، إلى أنكم تملكون بُنية متماسكة ومتكاملة وجيدة لمكافحة أي فساد إداري أو مالي، وما عليكم سوى استثمار ما ورَدَ في نصوص إنشاء مثل هذه المؤسسات الرقابية.
قرار مجلس الوزراء الأخير بتقييد المحاسبة، وذلك بإصداره تعميماً يُحدّد فيه لديوان المحاسبة عشرة محظورات، هو قرار يسير بالاتجاه المعاكس تماماً للبُنية الرقابية والمؤسسات الصلبة القائمة في الكويت، والتي طالما شكّلت مفخرة لنا كدولة في محافل دولية عدّة.
الدولة مسؤولة وبشكل مباشر، وبما تملك من دور دستوري وقانوني وتشريعي، على مواجهة الفساد بكل أشكاله، وهي لن تُحقّق ذلك دون أن توفّر منظومة متكاملة للقيام بدورها هذا، لذلك فقد عني الدستور الكويتي، الصادر في 11 نوفمبر عام 1962، صراحة بإنشاء ديوان للمراقبة المالية يكفل القانون استقلاله، وقد نصّت المادة 151 من الدستور على أن يعاون الديوان الحكومة ومجلس الأمة في رقابة تحصيل إيرادات الدولة وإنفاق مصروفاتها في حدود الميزانية، على أن يقدّم الديوان لكل من الحكومة ومجلس الأمة تقريراً سنوياً عن أعماله وملاحظاته، فجاء إنشاء ديوان المحاسبة في يوليو عام 1964 لهذا الغرض.
الرقابة بشكل عام، سواء كانت سياسية أو إدارية أو مالية، هي في النهاية صمام أمن وأمان لكل الأطراف كما ذكرنا، والقاعدة تنص على أنه كلما زاد منسوب الرقابة تراجع مستوى التجاوز، بدءاً بتجاوزات المرور، والتي شهدنا كيف حدّت منها رقابة وقوانين الداخلية الصارمة مؤخراً، ومروراً بتجاوزات البيئة والسكن، والتي حاصرتها هي الأخرى قوانين رقابية كانت معطّلة، إلى أن تم العمل بها، ووصولاً إلى محاسبة بعض أقطاب الفساد الذين تم تحويلهم إلى المحاكم بعد أن تم تفعيل قوانين المحاسبة والملاحقة.
لا تنمية مستدامة، ولا حتى قصيرة المدى، من دون رقابة جيدة، وفاعلة، وغير مقيدة، فالرقابة بكل أشكالها تعمل على الحفاظ على مصداقية الدولة، بما تُشكّله من أداة فاعلة في مكافحة الفساد في كل الأجهزة العامة. ومن دون دعم من الدولة وتعزيز لاستقلالية أجهزة الرقابة، تتحول هذه الأداة الفاعلة إلى مجرد صورة شكلية، ترددها المنتديات السياسية بشكل فارغ، وترصدها المؤتمرات كمَعْلم من معالم الدول الحديثة فقط لا أكثر.
