
قانون منع الحفلات وعروض الأزياء هو بلا شك قانون خطير ومؤسف، وخطورته لا تكمن في كونه تعدياً صارخاً على حق الناس في اختيار مصادر الترفيه وحسب، ولا لأنه يقتل الفرح والبهجة فقط، بل لأنه قد اختير له توقيت زمني تمر به البشرية الآن يجعل منه قانوناً مضحكاً ومأساوياً في آن واحد.
لا شك أن هنالك خصائص فريدة يتسم بها عصرنا الحالي تجعل من محاولات الانعزال والانغلاق، وكما الحال في قانوننا هذا، محاولات جاهلة ومتجاهلة لتلك الخصائص، والتي من أبرزها وحدة العقل والفكر البشري، وشمولية الروح والحس الإنساني.
لقد انقضى عصر الأيديولوجيا، حيث التفرقة والهوية المختلفة للمجتمعات البشرية، والتباين في الحضارات الإنسانية، هم الصفات السائدة للمجتمعات بصورة عامة وأصبحنا الآن في عصر التكنولوجيا، أو الفكر والعقل العالمي الشامل. وبدأ الشتات البشري يلتئم داخل أسوار “القرية الصغيرة” واتحدت الأذواق والأفكار، وأصبح الفكر عالمياً، والعقل عالمياً، والفن عالمياً. وظهرت مقاييس جديدة لتقييم الفرد وعلاقته وفائدته في المجتمع، وانصهرت شروط التنمية والتقدم واتحدت، وأصبح لها شرط عالمي واحد.
وفي إطار تحول بشري جذري كهذا، يأتي قانون الحفلات متناقضاً تماماً مع روح العصر.
وبالإضافة إلى ذلك الاتحاد الفكري الذي أصبح يميز المجتمعات البشرية، هنالك أيضاً اختلاف شاسع ورهيب في قدرات العقل الإنساني وإمكاناته بين جيل اليوم وجيل الأمس.
مرحلة جديدة من مراحل تطور ونمو العقل البشري، شهدت تغيراً بيولوجياً أحدثه المناخ التكنولوجي والبيئة المعلوماتية الحالية، وهو أمر أدركته الدول التي تتصدر المسيرة البشرية نحو القرن المقبل، فأصبحت تضع البرامج والخطط الملائمة، لتعيد النظر على ضوئها في برامجها التعليمية، والثقافية والإعلامية. إذاً الخطر في قانون الحفلات وعروض الأزياء، وكما ذكرنا في البداية، ليس في حجب هذا النوع من الترفيه عن المواطن ولا هو في حرمان الشباب من الغناء والاحتفال بل هو خطر يكمن في أن واضعي القانون لم يخضعوا للتطوير والتبدل البيولوجي ذاتهما في قدراتهم العقلية والذهنية، مما ضاعف من حجم الهوة التي تفصل بين الجيلين.
مسكين شباب اليوم وجيله الحاضر، فهو مُجبر على الانصياع لقوانين ومُسلمات حسمها جيل الأمس.. ووضع لها إجابات جاهزة. وصاغ على أساسها مناهج تعليمية وأفكاراً تربوية ورؤى ثقافية: مما أوقع هذا الجيل في تناقضات صارخة انعكست على تعامله مع مجتمعه وتفاعله معه.
ومن منا لا يدرك ذلك التناقض، وتلك الهوة السحيقة التي تفصل بيننا وبين أبنائنا من الجيل الحاضر، والتي تُضاعف من عمقها قوانين الكبار ورؤاهم. التي تنتمي إلى مرحلة سابقة في مسيرة النمو والتطور العقلي والدماغي البشري.
إن العالم بأكمله مقبل على مخاض عسير في مسيرته التنموية، وعلى عملية تغيير جذرية تتطلب فكراً جديداً بعد أن هددت التكنولوجيا والثورة المعلوماتية ما كان بحوزة الجنس البشري من مُسلمات وأفكار. وهي مسيرة تفرض على جيل الأمس ممن يمسكون بزمام الإدارة والقرار استخدام لغة حديثة في الحوار مع جيل اليوم، وانصياع عقلاني مع المتغيرات في العقل البشري كما تدفع بالحاجة إلى انسجام مع مستجدات العصر من كمبيوتر، واستنساخ، وهندسة جينية.
وكلها أمور لا شك تتناقض، وبصورة مُضحكة مبكية، مع قانون الحفلات والأزياء، الذي أقره كبار السن، من الحقبة البشرية السابقة!!
