الأرشيف

اللجان الخيرية والجهر بالخير

[جريدة الطليعة 24/12/1997]

قد لا يشك أحد في نوايا لجان الخير الممتدة في القارة الأفريقية، وفي بعض دول آسيا. حيث تتولى لجنة مسلمي أفريقيا مثلاً رعاية أيتام وأرامل فقراء ومشردين، وكذلك هي مهمة لجان الخير الأخرى في دول آسيا.
لا خلاف إذن على جدية أداء وصدق نوايا لجان الخير. غير أن الاختلاف هنا كان دائماً حول أسلوب عمل تلك اللجان، وطرقها المتبعة في جمع المال والتبرعات من أهل الخير.
وإيماناً من الدولة بوجوب تنظيم ذلك العمل الخير فقد أصدرت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل قرارها الذي نص على عدم وضع صناديق وعلب التبرعات في الأماكن العامة.
وهو القرار الذي أثار من ضجة واستياء ولا يزال محط نقد وتذمر من القائمين على إدارة تلك اللجان أو العمل فيها.
يعلم الجميع أن هنالك أهدافاً أخرى تنشدها لجان الخير هذه، وتتصدر أولوياتها بخلاف العمل الخيري المطلق. حيث تحرص كل تلك اللجان وفي كل مناطق عملها ونشاطها على التعريف بالدين الإسلامي، ونشر مبادئه وقواعده، وتلك بلا شك مهمة سامية ونبيلة، وواجب يتحمله كل مسلم صادق في يقينه وإيمانه. غير أن الصورة التي كانت تدار بها عملية جمع التبرعات كانت بحاجة إلى مراقبة وتنظيم، دفعت بوزارة الشؤون إلى الخروج بقرارها التنظيمي هذا.
فبالإضافة إلى المظهر الفوضوي واللاحضاري لمراكز التبرع وجمع الصدقات والتي كانت موزعة على قارعة الطرق، وفي مواقف السيارات، وعند أبواب المستشفيات، هنالك كذلك النشاطات المشبوهة والإرهاب الدموي لجماعات إسلامية طالما روجت لها، وتعاملت معها لجان الخير. ويكفينا مثلاً هنا، التبرعات والمؤازرة لأفغانستان التي كلما تبنتها وتحملتها اللجان الخيرية في هذا الوطن، وذلك قبل أن تنسحب الشيوعية، وينتهي (الغزو السوفيتي) وتشتعل الحرب الأهلية، أو حرب الأحزاب الدينية، التي دمرت وأحدثت فساداً يفوق بكثير ما أحدثه (الغزو السوفيتي). ودفعت بالكثيرين لأن يطرحوا سؤالهم الذي لا يزال عالقاً حول ما آلت إليه صدقاتهم وتبرعاتهم للشعب الأفغاني المسكين، وعن السبل التي تم فيها صرف تلك الأموال من التبرعات الخيرية!!
لا اعتراض إطلاقاً على العمل الخيري، ولا على السعي للتعريف بالإسلام، لكن الاعتراض هو على ذلك الامتداد السياسي لبعض تلك اللجان، وللتواصل الذي أصبحت تقيمه مع جبهات وجهات إسلامية سياسية عربية كانت أم غير عربية ممن لا يخفى على أحد طموحها وتطلعها السياسي الحزبي البحت، والبعيد كل البعد عن الدين وعن الإسلام!! وجميعنا نتذكر جيداً ذلك الاستقبال الحار والحميم لأحد أقطاب (العمل الخيري) في هذا الوطن والذي أقامه له إسلاميو الجزائر إلى درجة أنهم حملوه حملاً بأيديهم هو وسيارته كذلك!! ولا أتصور هنا أننا بحاجة إلى التعريف بالإسلام الجزائري ومنهجه في التعامل بشكل عام!!
لجنة مسلمي أفريقيا، إحدى اللجان الخيرية النشطة، ترى في قرار الشؤون الاجتماعية والعمل الذي ينص على عدم وضع علب التبرعات في الأماكن العامة، ترى فيه قراراً جائراً. حيث كانت تلك الصناديق تدر على تلك اللجنة ما يقارب 20 ألف دينار أي أن اللجنة هنا تقر بأن دخلها السنوي من الصناديق فقط يقارب ربع المليون دينار!! وإذا نحن قارنا تلك المبالغ بالتكلفة الفعلية لرعاية يتيم أو تعليمه، أو حتى بناء مسجد أو حفر بئر ارتوازية في تلك المناطق الأفريقية أو الآسيوية، والتي هي دائماً بسيطة بشهادة اللجان الخيرية نفسها!! وإذا أضفنا إلى ذلك أيضاً دخل اللجنة من تبرعات أهل الخير من غير الصناديق!! فإن ذلك كله يجعلنا أمام دخل مالي كبير، نتوقع على ضوئه إنجازات أكبر من مجرد صورة لبئر ارتوازية، أو لمدرسة من القش والبناء البسيط!! وهو أمر لا بد أن يقودنا إلى تحليل واحد؛ فإما أن يكون هنالك خلل كبير في إدارة أموال التبرعات تلك، أو أن تكون هنالك أهداف أخرى للجان غير معلنة، وليست بالضرورة خيرية مطلقة.
العمل الخيري بشكل عام هو بلا شك عمل نبيل وسام، والساعي إلى العمل الخيري الصادق في سعيه وهدفه، لن تثنيه عن ذلك العمل عمليات تنظيمية كقرار وزارة الشؤون بمنع صناديق التبرعات على الرغم من التجاوزات الكثيرة لهذا القرار وإصرار بعض اللجان على مخالفة القرار التنظيمي هذا.
من حق المتبرع أن يعلم الصورة التي يتم بها إنفاق حسناته وصدقاته، ومن حق اللجان الخيرية أن تحمي نفسها. غير أنه من حق الإسلام أيضاً أن يبقى بمعزل عن أهداف هؤلاء ونوايا أولئك.
وإذا كان دعاة الخير ولجانه يتكبدون المشقة والتعب في أدغال أفريقيا وظلماتها، فإن ذلك لا يجب أن يكون مصدر تذمر واستياء، حيث أنه أساس عمل الخير في أي مجتمع كان!! ولا يجب أن يكون مادة إعلان وبهرجة إعلامية، فالإسلام هو أن تنفق بيمينك دون أن تدري يسارك بذلك!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى