الأرشيف

الوسيط الإقليمي

[جريدة القبس 6/1/1997]

لم يخترق نظام بغداد في الثاني من أغسطس 1990، أمن الوطن وأمانه وحسب، لا بل اخترق كذلك كل الاتقاقيات والمعاهدات المكتوبة بين الدول العربية. فأسقط برعونته، فيما أسقط بنود اتفاقية الدفاع المشترك العربية. والتي نصت على حق أي دولة عربية تتعرض لانتهاك، بأن تجيش الجيوش العربية لنجدتها، ولردع ذلك الخطر والانتهاك.
ومن السخرية بمكان أن يعود رئيس النظام العراقي ويكرر ذلك البند في اجتماع بغداد في مايو 1990، مؤكداً حق الجيوش العربية في ردع العراق إن هو ناقض أي بند من بنود اتفاقية الدفاع العربي المشترك. الاجتماع الأخير لدول “إعلان دمشق” في القاهرة، أعاد التأكيد على التزام الدول الثماني باتخاذ كل الإجراءات الفردية والجماعية بما فيها استخدام القوة المسلحة، في حال وقوع عدوان مسلح على إحدى الدول الأطراف من قبل أية دولة عربية أو غير عربية لدفع العدوان وإزالة آثاره، لا شك أن غزو النظام العراقي للوطن، قد ضاعف من حاجة دول الخليج إلى استراتيجية أمنية جديدة، وإلى نظام دفاعي أشمل وأوسع من مجرد المنظومة الخليجية، نظام يكون قادراً على التصدي للتهديدات الكبيرة خاصة من دول إقليمية كبرى.. من هنا جاءت فكرة “إعلان دمشق” الذي صدر رسمياً في السادس من مارس 1991، بشأن التعاون والتنسيق بين دول مجلس التعاون الخليجي وبين مصر وسوريا المناهضتين للغزو العراقي للوطن.
وعلى الرغم من كل مظاهر التأييد لإعلان دمشق، سواء من دول التحالف. أو من دول في الإعلان فإنه قد عجز وبعد ما يقارب من أربع عشرة دورة حضرها وزراء خارجية “إعلان دمشق” عن تحقيق أدنى قدر من الإنجاز. “إعلان دمشق” إذاً، وكما اتفاقية الدفاع العربي المشترك التي أسقطها نظام بغداد بغزوه لأرض الوطن ما زال يفتقد للرؤية السياسية المستقبلية الواضحة، وللاستراتيجية الأمنية الشاملة. مما جعل دول الخليج لا ترى في الإعلان سوى جانبه الاقتصادي البحت، وأعبائه المالية التي تقدمها دول الخليج كدعم لدول الإعلان العربية، هذا بالإضافة إلى أزمة الثقة التي أفرزها غزو النظام العراقي، والذي دفع بدول “الإعلان” الخليجية لتعديل بعض بنود “إعلان دمشق” وبحيث يُمكِن “الإعلان” دول الخليج من الاستعانة بالدعم العسكري لمصر وسوريا، دون أن يكون هنالك داع لنشر قوات مصرية أو سورية فوق الأراضي الخليجية.
لقد أدى غزو النظام العراقي للوطن إلى تغيير جذري في استراتيجية دول الخليج الأمنية، حيث تراجعت – إن لم تكن قد تلاشت – أهمية البُعد الإقليمي في معادلة الأمن الخليجي. وأصبح أمن الخليج رهناً بضمانات دولية، واتفاقيات دفاعية غربية، أكدها مسار حرب الخليج الثانية، وحقيقة الأخطار الإقليمية لأمن المنطقة ودولها.
نحن إذاً، عربياً وخليجياً، لا تنقصنا على الإطلاق اتفاقيات أمنية مكتوبة ومشتركة، بل على العكس من تلك تماماً، فطبيعة العلاقات العربية – العربية، وكما تصورها مواثيق التعاون، وبرامج العمل العربي المشترك، هي بلا شك واعدة وغنية وتعكس تصوراً أمنياً مشتركاً وواحداً.
إذاً، لا يوجد على الإطلاق ما يعيب “إعلان دمشق” سوى أنه قد أتى في مرحلة أصبح فيها العالم العربي مصدر قلق وتهديد لدول الخليج، أكثر من كونه مصدر دعم وتعاون، وهو بذلك واقع مؤسف مخيف، لن يخرجنا منه سوى مبادرة أمنية صادقة كمبادرة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، في وجه طموحات الرئيس العراقي عبدالكريم قاسم، وآلية فاعلة للأمن العربي الشامل، تعيد للوسيط الإقليمي دوره في استراتيجيات الأمن الخليجي.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى