الأرشيف

وزير الدفاع وتصريحاته

[جريدة الطليعة 17/2/1993]

.. وكانت الهوة ساحقة.. بين القول والفعل.
قد لا نكون وكمواطنين عاديين قادرين على رسم استراتيجية أمنية للوطن.. وقد لا نستطيع وأيضاً للسبب نفسه.. أي وكأفراد عاديين نجهل بالخفايا العسكرية وخطط الهجوم.. أن نضع خطة دفاعية للوطن.. ولكن ولأننا مواطنون ننتمي إلى هذا الوطن الذي حباه الخالق – على صغر مساحته – حباه مواطناً قادراً على تفهم واستيعاب ما يدور من حوله.. ومراجعة ومناقشة ما لا يتفق ومنطق العقل.. فقد أذهلني وكما أذهل غيري اللقاء الذي أجرته مجلة “المجلة” في عددها الصادر بتاريخ 9/فبراير/93 مع وزير الدفاع الكويتي. وتحدث فيه عن تركيبة الجيش الكويتي.. والنفقات المخصصة له لأربع سنوات مقبلة.. والتي تقدر بثمانية مليارات دينار!! ومدى قدرة الجيش الكويتي في المحافظة على الوطن والدفاع عنه.
وحديث وزير الدفاع.. لا يتطلب خبيراً في الشؤون العسكرية للرد على مغالطاته ولا عارفاً ومتمكناً من سياسات التسلح لكي يقف على الأخطاء التي وردت فيه.. فقد لا تتطلب المسألة أكثر من مواطن أيقظته فجأة صبيحة الثاني من أغسطس هدير طائرات النظام العراقي.. قبل أن توقظه صفارات الإنذار.. مواطن وقف شاهداً على تدهور الوضع في الجيش الكويتي لافتقاده الأوامر الصريحة من الجهات المخولة.. بعد أن فر وهرب أغلب قادته.. وحصدت ذخيرة العدو من أفراد الجيش الصغار في اليوم الأول للغزو أعداداً لم تأتنا بها إحصائيات دقيقة وحتى الآن.. أما الباقون ممن استطاعوا الإبقاء على أرواحهم.. فقد أعانهم أهالي المناطق المجاورة (للجيوان) على استبدال ملابسهم العسكرية.. بملابس مدنية.. وهو مشهد أعاد ذاكرة البعض إلى مشاهد من أيام حرب الأيام الستة في العام 67.. حين استبدل بعض أفراد الجيوش العربية ملابسهم العسكرية بملابس مدنية.. ذلك كان هو حال الجيش الكويتي يوم الثاني من أغسطس.. والذي يصر وزير الدفاع في مقابلته المذكورة على استعداداته في ذلك اليوم فيقول: “في الثاني من أغسطس 1990.. كانت معدات الجيش الكويتي متواجدة.. وجميع أموره الدفاعية منظمة.. لكن الغلبة تأخذ الشجاعة”. وهذا نقل حرفي عن وزير الدفاع.. والذي قد يكون أغفل حقيقة أننا شعب قليل العدد.. على الرغم من أنه نوه إلى تلك الحقيقة في حديثه المذكور.. وأننا وبسبب قلة العدد تلك.. فإن أخبار سقوط القيادة العسكرية سرعان ما أصبحت حديثنا الوحيد في الأيام الأولى للغزو المشؤوم.. تلك الأخبار التي كان يرويها بعضهم من أحداث الواقع الذي عاشه في اليوم الأول.. وكيف أن صواريخ (الهوك) كانت رابضة في مخازنها!! وإلى غير ذلك من أمور الجيش والذي عمد البعض إلى تفسيره بكونه تقديراً حكيماً.. حتى لا نستفز الجيش العراقي.. إذا ما نحن أبدينا استعدادنا واستنفارنا!!
ثم يستمر وزير الدفاع في إجاباته على أسئلة “المجلة”.. فيجيب على سؤال يخص شراء الأسلحة والمعدات الحديثة.. فيقول: “لم نشتر شيئاً.. وهذا هو التفكير الخاطئ بأن الكويت صرفت مبالغ كبيرة على تحديث جيشها”. ولكن وبعد إصرار “المجلة” على حقيقة ما يحاول الوزير إنكاره.. وبأن وزارة الدفاع البريطانية خصصت مكتباً للتعامل مع المشتريات الكويتية التي وصلت إلى مئات الملايين.. يعود الوزير.. فيتراجع عن إجابته الأولى بقوله: “هذا صحيح.. لكن هذه المعدات لم تصل إلى الكويت بعد”. ولا أتصور أننا بحاجة إلى التعليق على ما يمكن أن يعنيه تراجع وزير دفاع دولة عن إجابات بخصوص صفقات سلاح تمت.. وفي نفس المقابلة!!
وفي سؤال لوزير دفاع الوطن.. عن ماهية وضع فئة غير محددي الجنسية في الجيش الكويتي.. يجيب وزير الدفاع بقوله: إنني شخصياً اعتبر كل من حمل السلاح ضد العراق كويتياً بغض النظر عن جنسيته”. وعندما أبدت “المجلة” أن ذلك لم يكن رأي وزير الدفاع السابق. دافع وزير الدفاع الحالي عن رأيه بقوله: “هذا رأيي.. وليس رأي الحكومة الكويتية”. علماً بأن حديث “المجلة” كان موجهاً إلى وزير الدفاع بصفته الرسمية وليس الشخصية.. مما يثير هنا التساؤل حول هذا الأسلوب من الانطباعات الشخصية.. والذي يتبع في إدارة زمام جانب من أهم جوانب الدولة!!
ويستمر بعد ذلك وزير الدفاع في الحديث عن إدارته الشخصية.. وعن رفضه شخصياً لتقديم الاغراءات المالية للشباب المتقدمين للجيش الكويتي.. انطلاقاً من مبدأ أن الولاء لا يشترى بالمال!! وعن توفيره لامتيازات يقدمها الجيش الكويتي لفئة البدون من تطبيب وتعليم.
ذلك كان جزءاً من اللقاء الذي أجرته مجلة “المجلة” مع وزير دفاع الوطن.. وهي تأتي كتأكيد على أن مفهومنا لأمن الوطن ما زال قاصراً.. وأن الفهم الأمريكي أو الغربي لأمن المنطقة بأكملها وبما فيها الوطن قد حسم القضية الأمنية لصالحه. فإذا كانت عملية غزو النظام العراقي للوطن قد أكدت حقيقة معينة.. فهي حقيقة أن النظام الأمني الذي كان قائماً في منطقة الخليج لم يكن ناجحاً تماماً إن لم يكن إطلاقاً.. وهو ما أكدته أحداث الغزو.. وأن القائمين على أمن المنطقة ليسوا بعد مؤهلين لذلك.. مما يهدد المصالح الغربية في المنطقة أولاً.. وقبل أن يهدد أمن وأمان المواطن، وإذا كان الموقف الأمريكي في أعقاب حرب الخليج الثانية يشير إلى ضرورة مشاركة كل دول الخليج في بناء وتدعيم الأمن.. وبمساعدة دول عربية (معتدلة) بحسب المفهوم والمقاييس الأمريكية.. وذلك باشتراك مصر وسوريا مع القوات الأمريكية في الحفاظ على أمن المنطقة.. إلا أن ذلك الموقف الأمريكي قد تغير.. فبعد أن أعلنت الولايات المتحدة عن عدم نيتها الإبقاء على قوات في الخليج بعد خروج العراق من الكويت عادت وعقدت الاتفاقيات الدفاعية مع كل دول الخليج.. مع الإبقاء على قوات برية متواجدة في الكويت.. وقوات بحرية في البحرين وقطر.. وقد يكون ذلك لإدراك الغرب بأن دول الخليج لم تستوعب الدرس الذي وفرته ظروف غزو النظام العراقي للوطن.. وأن بناء شبكة من العلاقات الأمنية بين دول الخليج ما زال أمراً قيد الدرس والبحث والتدقيق.. وأن ما يؤجله تلك الخلافات الصغيرة والكثيرة والتي يصعب معها على دول الخليج الاتفاق على تحديد مواعيد اجتماعاتهم.. ومراكز إقامتها.. ناهيك عن الارتباطات الأمنية.
لقد أصبحنا في هذا الوطن ندرك وبعمق أكثر من أي وقت مضى.. وبعد أن حركتنا ظروف الغزو.. أن خلق وطن أكثر سلاماً واستقراراً.. وأعز أمناً وأماناً.. هو أمر يحتاج إلى لباقة وفهم أولاً.. وصبر طويل ثانياً.. إضافة إلى قدرات خارقة على العمل.
ولعل أهم جانب من جوانب العمل لتحقيق الأمن.. هو ممارسة التنسيق مع دول تفوقنا عدة وعتاداً.. وحتى لا ننظر لأمن المنطقة من منظور ضيق آني لا يتعدى المرحلة الحالية.. علينا أن نتساءل عن ظروف الأمن مقابل العراق الدولة.. وليس نظام صدام حسين.. ومقابل إيران كقوة لا تقل شراهة عن العراق.. وليس كدولة التزمت الحياد إبان حرب تحرير الوطن.. وتلك قضيتان جوهريتان في مفهوم أمن الوطن.. تطرق لهما وزير الدفاع في لقاء “المجلة” من زاوية عاطفية آنية.. قد تبدو طبيعية إذا ما هي صدرت عن رجل الشارع الذي قد يجهل خفايا الأمور السياسية.. لا وزير الدفاع والذي يفترض فيه الإلمام بما يخفى على المواطن.. وزير الدفاع علق في المقابلة المذكورة على تسلح الدول المجاورة بقوله: “أعتقد أن الأسلحة التي تشتريها إيران هي لحفظ أمنها واستقرارها لأن العراق لا يزال له نوايا شريرة.. سواء ضد دول الجزيرة العربية أو إيران”.
لقد خسرنا ما خسرناه كوطن.. وافتقدنا ما افتقدناه من أمن كمواطنين حتى لم يعد في مقدورنا تكبد المزيد من الخسائر.. وسواء شئنا ذلك أم أبيناه.. فقد ساهمنا إلى حد بعيد فيما عانيناه من خسائر.. معنوية كانت أم مادية.. فلقد كانت الهوة ساحقة بين ما تمليه الأحداث من واقع.. وبين ما تردده أروقة الوطن السياسية من قول.. وكان بإمكان أحداث الغزو أن تكون أقل إيلاماً ومفاجأة.. لولا ازدياد الهوة بين الواقع والتصريحات الرسمية.. إلى أن جاء ذلك اليوم من أغسطس.. ليجد المواطن نفسه.. وحده فقط.. الذي كان قابعاً في تلك الهوة!! فهل يعني حديث وزير الدفاع أن الهوة ما زالت هناك؟!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى