
يزداد وهج الحزن.. مع تدفق ساعات الفرح.. ويتضاعف حجم الألم.. حين تتزاحم أيام العيد على عتبة الوطن. فهناك وعلى مرمى أراضي العرب.. وتحت وطأة قضبان الحقد الأسود.. تمتزج ذكرى بطولاتكم.. بألوان الحديد الحمراء الصدئة.. وأنات جراحكم الرطبة.. فهناك في سجون شمال الخزى والعار العربي.. تنكا جراحكم كشلال حزن يأبى أن يهدأ.. وتتابع أعينكم ضياء الشمس.. ترفض أن تدمع.. وتضم الأيدي قرآناً يواسي القلب بألا يحزن.. وقضباناً حديدية تلتهم الأقدام.. كظلم يأبى أن يصمت.
يا أيها القابعون خلف ظلام القضبان.. ما قد أقبل العيد من جديد.. وخيوط فضيحة مأساتكم ما زالت عالقة.. وفي ضمير العروبة هي ماثلة.. لم يبق مؤتمر ولا صحيفة.. لم تبق ندوة.. ولا مدينة.. إلا وتسابقت.. ومأساتكم عناوينها.. وتصدرت أحزانكم مواضيعها. لكن عالمنا العربي يا أخوتي.. ما زال كما عهدتم.. عالماً يحوي من الهزيمة والرذيلة.. أضعاف ما يحوي من الفضيلة.. فقضيتكم يا أخوتي ما زالت وهماً وهامشاً.. لم ترق بعد إلى مصاف الحقيقة.
فمن المحيط.. إلى الخليج.. آلامكم ليست سوى جزية يدفعها وطن.. يخزن النفط.. ولا يتعاطى الألم.. أحزانكم لا تعدو شيئاً يذكر.. في أمة شمالها مذبوح.. وجنوبها عساكر ومخفر.
أعقد ما في قضيتكم يا أخوتي.. أنها قضية في أمة تستعذب ذبح الخيول… وقتل الأنبياء.. فلقد قتلت من قبلكم علياً.. وذبحت الحسن.. وخذلت الحسين.
قضيتكم يا أخوتي.. غدت في غياهب المجهول.. فذاك يفتي.. وذاك ينفي.. لجنة أسرى.. أم لجنتان.. مسؤول واحد.. أم مسؤولان.. لجنة للأسرى.. أم لجنة لشؤون الأسرى.. ويبقى الكل عن جوهر قضيتكم مشغولاً.. وتبقى العبرة خانقة في صدر أم ثكلى.. أو عبرة طفل.. أو جفن زوجة.. أكل احمرار الحزن ما بقى في عينيها من سواد.
قضيتكم يا أخوتي.. ما زالت قابعة خلف أوراقنا.. ودفاترنا.. ولجاننا.. مأساتكم يا أخوتي.. ما زالت تستجدي المعونات على أعتاب المؤتمرات.. والدموع والعواطف على أرصفة المنتديات.. بينما يحدثنا واقع المرتهنين والمأسورين في العالم من حولنا.. أن الطريق إلى الحرية.. لم يأتهم من خلال أبيات الشعر ولا الخطاب.. وأن أصفادهم لم يحطمها قول المنطق.. بل كان لفعل القوة والمال ما عجز عنه حكم المنطق والعقل.. ولو أن جزءاً ولو يسيراً من مليارات العبث والمجون.. التي بعثرها العابثون بحق الوطن وأهله.. لو أن بعضاً منها قد طرق سجونكم يا أخوتي لحطمها.. ولو أن شيئاً منها ولو قليلاً.. كان لكم.. لغير الواقع الحزين من حولكم.
أخوتي.. أشهر طوال من الألم والرغبة مرت. أشهر بكت لياليها أخاً.. وزوجاً.. وأباً.. وأماً.. أشهر أبت أيامها.. الفرح والحب والأعياد.. أشهر خفقت أقمارها.. فلم يعد لها ضياء.. سرقوا الأحبة.. فبأي شكل نبعث الأفراح.. وبأي وجه تشرق الأقمار!! لا العيد.. ينسينا مواطن حزننا.. وتتثاقل خطوات الفرح.. أن ترسم غيركم على جبين الوطن.. أو فوق سمائه.. أو في ذاكرة الأهل والأحباب.
ففي زمن الأفراح.. والأعياد تتحجر الدموع في أعين الأهل والأصحاب.. ويتعاظم حجم الألم.. والحزن.. ففي أي لحظة.. وفي أي وقت أنتم سترجعون!! فالحزن أصبح مارداً.. يحاصر الفرح.. من فرط وطأته الآمال.. والأماني.. والعيون..
فها هي سنة ثالثة تجيء.. تمر بناء ونحلم أن نلاقيكم حاملين الأشعار.. والأزهار.. والشجون… سنة ثالثة تمضي بنا.. والحلم الجميل يراودنا.. إذا نحن تلاقينا. أن نتلو عليكم حكايا الوطن.. وأن ترووا لنا هموم الأسر. والشوق للوطن. سنقص عليكم كيف أن “فاطمة” أسمت ابنتها “عودة” وابنها “وطن”.. وكيف أن “سارة” الأم.. قد ابتاعت قرآناً.. ومسبحة.. تتلو عليكم معوذاته.. وتسبح عليكم بالعافية.. وتستجير بالواحد الأحد. وأن “خالداً” الأب.. قد جمع الأهل وسار يحكي عنكم في كل جنبات الأرض.
تلك هي جهودنا.. فمعذرة.. فقد كانت جهودكم تاريخنا.. ومهدنا وذاكرة عطرة.. أقسمنا أن لا ننساكم.. فقد كانت جهودكم تاريخنا.. وبفضلكم أصبح للنضال والجهاد.. مساحة صدق.. لا قول وتذكرة.. وغدت بكم رائحة الوطن عبير مسك معتق.. وعنبر.. وصنوبرة.
تلك كانت جهودنا.. فالمعذرة.. وطوبى لكم طهوركم.. وعقبي لكم ثواب الدار الآخرة.
