
لن يعجز المتتبع منا لمراسم الاحتفال بقدوم الرئيس الأمريكي السابق “جورج بوش” عن إدراك ذلك الكم الهائل من العاطفة التي يكنها مواطنو هذا الوطن.. ومن كافة المستويات لشخص الرئيس الأمريكي السابق.. ولقد تجلّت تلك العاطفة من خلال ذلك الاقبال الجماهيري الشعبي للمبادرة بالترحيب بمقدم الرئيس الأمريكي.. والاحتفاء به، ولعلّ ما يثير الانتباه هنا.. ويقتضي الملاحظة.. أن جهود الترحيب جاءت على المستوى الشعبي.. بعكس ما عهدناه من قبل في استقبال رؤساء وملوك دول أخرى.. وحيث يكون الجهد والاستعداد في أغلبه.. إن لم يكن كله.. جهداً رسمياً.. على مستوى الإدارة الحكومية.
لن نحاول أن نجادل هنا في الأسلوب الذي حاول البعض من خلاله – بمن فيهم الجهات الرسمية – التعبير عن بالغ الفرح والبهجة لمقدم الرئيس الأمريكي.. خاصة وأنه قادم بصفته صديقاً للشعب الكويتي.. وليس بصفته الرسمية التي كان عليها إبان فترة الغزو.. تلك المرحلة التي ساهمت بل وأرست إطار تلك المشاعر، إلا أن ذلك الأسلوب في الترحيب.. المليء بالمشاعر الجارفة.. وتلك اللافتات والملصقات الملأى بالمعاني الوطنية السامية.. وذلك الاندفاع المحموم تجاه شخص الرئيس الأمريكي السابق.. يؤكد لنا بصورة قاطعة.. مدى توقنا وتلهفنا.. بل ومدى حاجتنا إلى خلق وبعث صورة (القائد البطل).. في زمن شحّ فيه الواقع السياسي العربي.. وعجزت ساحة القيادة العربية عن الإتيان برمز (القائد البطل).
لقد كان الرئيس المصري الراحل (جمال عبدالناصر).. هو آخر عهدنا برمز (القائد البطل).. وبغض النظر عن مدى إيماننا بشخص “عبدالناصر”.. فإن واقع كونه رمزاً (للبطل العربي) لا يستطيع أحد أن يُنكره، فكانت صورته لدى الجماهير العربية.. رمزاً (للبطل) الذي استطاع أن يواجه الغرب.. في زمن كانت عمليات التحرر من الاستعمار والتبعية للغرب في أوجها.. فكان “عبدالناصر” هو (البطل) الذي استطاع أن يرفض سياسة الأحلاف: حلف بغداد.. ومشروع إيزنهاور.. وهو الذي كسر احتكار السلاح بعقد أول صفقة سلاح مع الكتلة الشرقية.. وهو الذي أجلي القوات البريطانية بعد استعمار دام ثلاثة أرباع القرن.. وهو الذي تصدى للمعسكر الغربي إبان العدوان الثلاثي.. وهو.. وهو.. إلى أن أصبح حقيقة رمزاً “للبطل” الذي كان حضوره شرطاً في كل الثورات وحركات النضال التي جاءت من بعده في العالم العربي.
من بعد “عبدالناصر” بقي لقب… ومكان (القائد البطل).. شاغراً.. وإن كانت المحاولات كثيرة.. من قبل زعماء وقادة عرب.. حاولوا ملء ذلك الفراغ في العالم العربي.. فحاول “القذافي”.. وحاول “ياسر عرفات”.. وحاول “صدام حسين”.. إلا أنها محاولات لم تلق إجماعاً جماهيرياً على القبول.. كالذي كان عليه شخص “عبدالناصر”.
وعلى الرغم من أن الحاجة إلى (الشخص البطل) أو الرمز القوي المسيطر والقادر على جمع الكلمة والجهود.. واستقطاب الجماهير وتعبئتها عبر العمل.. هي حاجة ونزعة طبيعية لدى البشر عموماً.. إلا أن المواطن العربي.. وبحسب ما اشتهر عنه من عاطفة ومشاعر جياشة.. أثبتت قدرتها على التأثير حتى في أكثر الأمور السياسية حساسية وحرجاً.. المواطن العربي الذي لا يستطيع أن يعبر عن إعجابه.. وتأييده لشخصية سياسية أو قائد.. دون أن يخرج في مسيرات يرفع فيها اللافتات.. ودون أن يكتب الشعر.. ويصرّح عن إعجابه بالخطابة.. سيكون من الصعب بمكان على مثل هذا المواطن أن يتقبل أن الساحة السياسية العربية قد خلت ممن هم جديرون بأن تُسير لهم المسيرات.. وتُقال فيهم الخطب والأشعار، فإذا كان من الصعب على البشر في أي مكان من العالم أن يحيوا دون (بطل).. فإن الأمر يكون أكثر صعوبة بالنسبة للمواطن العربي.
ونحن بالطبع حين نتحدث عن المواطن العربي.. فنحن نشمل بالحديث المواطن في هذا الوطن.. والذي لا يقل عن أقرانه في العالم العربي.. حنيناً وشوقاً إلى (قائد بطل) يعبّر من خلاله عن أهدافه وتطلعاته.. مستجيباً للتحديات القيادية في مجتمعه. لذلك فقد وجدت تلك الجموع من المواطنين التي خرجت لاستقبال الرئيس الأمريكي السابق.. وجدت عزاءها في أن تبعث في شخصه من جديد صورة ورمزاً (لقائد بطل) عجزت الظروف العربية المؤسفة الآن عن خلقه.. في زمن أصبح المواطن نفسه عاجزاً عن إفراز القائد (النموذج).. القادر على إقامة علاقة وثيقة وشرعية مع الجماهير.. تكون منبع وأساس قوته.. ومعيار انتصاره.. وسر استمراريته وصموده.
ولعلنا جميعاً لمسنا ذلك التهافت العربي.. على التمسك بشخص طاغية بغداد.. برغم كل مساوئه.. والتي لم تكن خافية ولا مستترة عن المواطن العربي.. الذي أيّده وناصره شوقاً وتوقاً إلى إحياء رمز (القائد البطل).. ولا نستثني بالطبع المواطن في هذا الوطن من ذلك الشغف بإحياء صورة لذلك الرمز.. فلو كان طاغية بغداد.. قد زار الوطن في أعقاب (انتصاره) في معركة الفاو في العام 88.. لحظي بما حظي به الرئيس الأمريكي من استقبال وترحيب وحفاوة رسمية كانت أم شعبية.
إلا أن بعض ما أثار مشاعر اختلفت حدتها عند البعض بين الحزن والأسف.. أن اللغة التي عبّر بها أولئك المواطنون عن فرحهم بمقدم الرئيس الأمريكي السابق.. بل والكلمات التي استخدمها أولئك للتحدث والكتابة.. والاتصال بمن رأوا فيه رمزاً افتقدوا حضوره طويلاً.. كانت لغة وكلمات غريبة.. لا تتفق إطلاقاً مع ما عهدناه من لغة الترحيب.. ولا تتلاءم مع مفاتيح اللغة.. وملكة الخطابة.. التي اعتاد المواطن العربي استخدامها في مناجاته (للرمز البطل)!!
