
لا أحد منا ينكر حجم المعاناة التي سببها لنا غزو النظام العراقي للوطن!! ولعل أقدمها وأعمقها ما واجهناه من معاناة نفسية كان مبعثها تساقط كل ما آمنا به من أطروحات وطنية وقومية.. وكل ما هتفنا له وطالبنا به من أحلام عربية وتطلعات وحدوية.. ومبادئ نضالية!!
لا أحد ينكر أن شرخاً كبيراً قد ألم بما كان بحوزتنا من قناعات وتصورات!!
غير أن ذلك يجب ألا يدفع بنا إلى الكفر.. والإلحاد بمنبتنا العربي.. وبنشأتنا القومية.. ولا إلى تجميل صور الآخرين والإشادة بأفكارهم وقيمهم فقط لأن أقوامنا وأهلنا قد خذلونا!!
جريمة صدام حسين لا تعني أن الآخرين ملائكة!! خاصة أن الوطنية قضية سامية لا تخضع إطلاقاً لمنطق النسبية!!
غير أن، وللأسف الشديد، الكثير منا في هذا الوطن قد وقع ضحية لذلك اللبس والخلط.. اللذين جعلا البعض يشيد بإسرائيل وديمقراطيتها.. مقارنة بديكتاتورية العرب!! وبالتحضر والتطور الغربي الأمريكي مقارنة بالتخلف والجهل العربي الشرقي!!
وتلك وجهة نظر حملها البعض (ثأراً) من صدام حسين.. (وانتقاماً) من الموقف العربي المتخاذل تجاه كارثة غزو النظام العراقي للوطن!!
وإن لم تخل وجهة النظر هذه من تطرف ملحوظ في (الانتقام) و(الثأر).. كما جاء في حديث السيد سامي النصف في زاويته “محطات” بالقبس في عددها الصادر بتاريخ 12/2/96.. والتي دعا فيها السيد النصف إلى إعادة كتابة تاريخ المنطقة من جديد.. بحيث تُصحح معلوماتنا ونعيد النظر بشأن الاستعمار، والذي يرى فيه الاتب أداة لتنمية موارد الدول التي يستعمرها بما فيه فائدة الطرفين!!
ولم تخل كلمات السيد النصف من إشادة واضحة بدور الاستعمار في تنمية ونمو دول كثيرة، حيث يقول الكاتب “أن كبار المفكرين والعلماء العرب جميعهم، دون اساتثناء، هم نتاج حقبة الاستعمار.. ولقد أجدبت العقول فيما بعد” (انتهى)
مشاعر الدونية هذه التي يمارسها السيد النصف وغيره بحق أنفسهم وأوطانهم وشعوبهم!! هي عادة ما تأتي كنتاج لنكوص أو تراجع مرحلي يصيب شعباً ما في مرحلة ما من تاريخه!! وهي إن كانت مرحلية في استمرارها وبقائها!! إلا أن آثارها وتبعاتها تعتبر عادة أقسى وأمضى من جراح ودمار الحروب!! فاليائس لا يستطيع أن يبني، والمقهور لا يزرع إلا قهر!..
وكرهاً!! والدونية لا تخلق إلا عبيداً!
نعم.. لقد خذلنا العرب.. وأسعفتنا أميركا!! أحرقنا الجار.. وأطفأ الغريب نارنا!! لكن ذلك لا يدفعنا، ولا بأي حال كان.. لأن نستعذب العبودية.. ونتغنى بمآثر الاستعمار!! ونخلط بني الكرامة.. والدونية!!
