الأرشيف

“العبء العراقي”

[جريدة الطليعة 27/3/1996]

أبدى الكثيرون استياءهم مما ذكر مؤخراً.. بشأن عودة نصف مليون فلسطيني وأردني لأرض الوطن من جديد!! وهو استياء لا شك له مبرراته الدفينة في قلوب الكثير ضمن ذكريات الغزو المريرة!!
فالذين استاؤوا من عودة الوافدين الذين غادروا أرض الوطن أثناء محنة الغزو أو في أعقاب التحرير.. يرون في تلك العودة سلبيات عديدة.. قد تكون إحداها مشاعر الود التي تقطعت بين الطرفين.. إلى جانب أن الظروف المعيشية والعملية التي كانت متوافرة فيما قبل الكارثة!! لم تعد ذاتها بل ولا حتى مقاربة لها.. مما سيخلق عبئاً على المواطن كما الوافد!
غير أن المسألة بأكملها تتطلب منا جميعاً وقفة تأمل ومراقبة.. راجين أن تزودنا مثل هذه التجارب بمزيد من النضج والإدراك السياسي.. والنظرة ذات الأبعاد مترامية الأطراف إلى أبعد من مجرد غدنا القريب أو أمسنا!! فالذين يرون في عودة الفلسطينيين عبئاً وهماً ثقيلاً.. هم لا شك قد أغفلوا العبء العراقي الكامن بعد في قمقمه.. بهمومه.. ومشاكله الكثيرة!
وسواء عاد الفلسطينيون أم لم يعودوا فإن هناك حقيقة راسخة.. علينا أن نعمل على إعادة ترسيخها من جديد بعد أن تناثرت جنباتها مع تساقط قنابل النظام العراقي فوق سماء الوطن!!
حقيقة إن الواقع لا يمكن أن يخلقه فرد أو جماعة واحدة.. وإن حدث ذلك فإن امتداده واستمراره سيكون قصيراً ومبتوراً!! فالتاريخ لا يصنعه أفراد وحسب وإن كانوا أبطالاً أو طغاة.. وإن كان دورهم بارزاً وظاهراً!! فهم في نهاية الأمر ليسوا إلا نتاجاً لنسيج وامتداد مجتمعي متكامل.. له ظروفه وسماته.. وخصائصه التي شكلت معالم أولئك الأفراد وحددت مسارهم ومستقبلهم!!
وما نحن في هذا الوطن سوى رقعة من ذلك النسيج العربي الممتد.. شئنا ذلك ام أبينا!! القضية هنا ليست رغبة وخياراً.. فالتاريخ لا يخضع للرغبات والتمنيات.. بل للواقع والحقائق!! قد تكون المشكلة الحقيقية هنا.. أن التاريخ العربي الحديث.. الرسمي منه والشعبي.. قد تجاهل وأسقط من ذاكرته أهمية ذلك التناسق في النسيج المجتمعي العام.. فكانت النتيجة أن تناثر نسيجهم.. وتمزق.. فأصبح خرقاً ورقعاً بالية!!
العودة الفلسطينية أو الأردنية إذن ليست قضية رغبة.. بقدر ما هي واقع يفرضه الامتداد النسيجي في تكوين المجتمعات!! وما علينا في هذا الوطن سوى أن نتعامل معها وفقاً لذلك المنطق حتى نجني من جانبها الإيجابي لا السلبي!! خاصة وأن عبء عودة الفلسطينيين هو عبء نفسي أكثر ما هو سياسي أو اقتصادي!! فالفلسطيني من أمهر العمالات العربية.. وأكفأ المهارات.. وهو أمر لمسناه من خلال تدهور بعض القطاعات في هذا الوطن إثر النزوح الكبير للفلسطينيين في أعقاب كارثة الغزو!!
لا شك أن منطق النسيج المجتمعي ذاته يدفعنا جميعاً لأن نسلك درباً واعياً وناضجاً في تعاملنا مع العبء الحقيقي القادم.. العبء العراقي بكل ما يحمل من جوانب سلبية.. ستضرب بآثارها عميقاً في تكويننا النسيجي العربي!! هنالك ما يزيد عن ثمانية عشر مليوناً من البشر.. يأكلهم الحقد.. وتفترسهم الفاقمة!! مجتمع تراجع فيه التعليم.. حتى لقد أصبحت الأمية سمة الأفراد.. وأصبح العمل والإنتاج سلاحاً وعسكراً وقنبلة!!
هذا هو العبء الحقيقي الذي نخشى مواجهته والذي علينا جميعاً أن نجد مخرجاً له!! بعيداً عن الرومانسية والعاطفة!! وبدلاً من التنظير والجدل حول الخصوصية العراقية أو الفلسطينية علينا أن نغوص بعيداً في العمق المجتمعي التاريخي الذي أفرز تلك (الخصوصيات) وقد يكفينا أن ندرك امتداد تلك (الخصوصيات) من خلال ما عانيناه في هذا الوطن.. فلولا دكتاتورية “صدام حسين” لكان غزو الوطن احتمالاً بعيداً!! وسواء كان العبء عراقياً أم فلسطينياً.. فإن النتيجة ستكون واحدة.. وهي أن للمجتمعات نسيجاً.. لا يقبل الترقيع.. ولا الخرق البالية!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى