
الحياة لا تسير بطريق مستقيم أبداً.. بل في تعرجات أشبه ما تكون بالرسوم البيانية، ومن بين تعرجاتها وتغيراتها تتخذ الشعوب ملاذات بين هذه التعرجات.. طلباً للبقاء والمضي في ركب الحياة.. ويكون استمرارها مبنياً على مدى قدرتها على التلاؤم مع تلك التغيرات.. ومدى قدرتها أيضاً على الإتيان بالجديد لما يطفو على سطح تلك التعرجات.. ومدى استيعابها لتيارات الحياة المتقلبة.
ويسقط مع تعرجات الحياة هذه أفراد ليحل محلهم أفراد جدد تكون لهم قدرة أكبر على مسايرة ومواكبة ما استجد.. تلك هي طبيعة الحياة.. ولو لم تكن كذلك.. لأصبح البشر أشباحاً تتردد وتتكرر كالصدى في كل مراحل التاريخ.. وما حدث للكويت في صبيحة الثاني من أغسطس عام 1990. ليست إلا واحدة من تعرجات الحياة الكثيرة.. وما علينا كأفراد في هذا المجتمع إلا أن نحاول تتبع هذا التعرج والتلاؤم معه.. مع قليل من الوعي والإدراك لما استجد في مجتمعنا ومحاولة التكيف والتعامل معه بحكمة مع الوضع الجديد، لرصده وإنكاره.
لقد عادت الكويت حقاً.. عادت لتلتقط أنفاسها لاهثة في أبشع تلوث بيئي تشهده البشرية منذ بدء التاريخ.. عادت وأفرادها يعزي بعضهم البعض على شهداء مُثَّلَ بجثثهم قبل أن يُلقى بها أمام أسرهم.. عادت بنظرات مترقبة تتجه إلى الأفق البعيد في انتظار طال، أملاً في عودة أب أسير.. أو أخ مفقود.
لم تعد متعافية كما كانت.. ولا إلى سابق عهدها كما يحاول الكثير أن يدعي ويصدق.. فمن اللامعقول واللامنطقي أن لا تترك الكارثة آثارها إن سلباً أو إيجاباً.. كما وأنه من اللاطبيعي أيضاً أن يعود الحال إلى ما كان عليه. فكارثة استغرقت سبعة أشهر.. خلقت آثاراً نفسية وبيئية سيئة قد لا تزول.. وتبقى جزءاً من المجتمع.
بعد الثاني من أغسطس.. انعقد الإجماع الدولي ولأول مرة في التاريخ الحديث على رفض ذلك الواقع الأليم.. والذي حاول النظام في العراق أن يفرضه ويرسخه بالقوة.. فتحركت أساطيل وجيوش العالم لردع المعتدي.. وفرض حصار دولي.. وعقوبات اقتصادية التزمت جميع الأطراف على تطبيقها بصرامة لم يعرفها العالم من قبل.
وخرجت الكويت من خضم تلك الأحداث متداعية الأطراف بعضها شهيد.. وبعضها أسير.. والبعض الآخر يرثي ويبكي ذلك الشهيد والأسير. والآن وبعد أن أكملنا ستة أشهر منذ إشراقة فجر التحرير.. كنا فيها كالمشدوهين من هول الأحداث وعظمها.. ننظر حولنا فنرى أننا في رثائنا وبكائنا أغفلنا زوجة الشهيد.. لنتقاسم غنائم التعمير وتركناها تلهث في أروقة وزاراتنا المحنطة سعياً وراء معاش تقتات به هي وأفراد أسرتها.. ونسينا أم الأسير تنتظر بباب دارها.. فشاركناها انتظارها بأن ارتدينا ملابس تنادي بأننا “لن ننساكم يا أسرانا”.. ويساهم الإعلام المرئي في بث بانوراما حزينة تؤكد أننا سنبذل المستحيل حتى يعود أسرانا.
ما هكذا يكون التكريم والوفاء.. الأسرى كانوا ضحية أخطاء واستهتار بأمن المواطن.. ولا لشهداء روى دمهم هذه الأرض.. وأبى جسدهم إلا أن يكون لها غطاء.. فأثبتوا بذلك أن خدمة الوطن حق وشرف وواجب.. فتخليد ذكرى شهدائنا لا يكون فقط بإطلاق أسمائهم على مباني وشوارع سرعان ما يعلوها التراب.. بل يكون التكريم حقاً برعاية من تركهم هؤلاء الشهداء سعياً في طلبهم لإرساء الحق والعدالة.. وقد نوفيهم بعضاً من حقهم برفع المعاناة عن أسرهم وأبنائهم وتوفير سبل المعيشة الكريمة لهم.. فالتكريم ليس ترضية ولا مكرمة.. وإنما هو حق لمواطن افتدى نفسه لأرضه.. فليبقى حقه من بعده لأبنائه.
لقد سقط لهذا الوطن من قبل شهداء في سيناء وفي السويس في حربي عام 67 وعام 73.. فأين حق أولئك الشهداء الآن!! وهل سيؤول مصير شهدائنا في هذه الحرب إلى النسيان أيضاً!! أم ستغدو ذكراهم مدونة في ملصقات إعلانية.. وفانيلات صنعت في تايوان!!
إن الشرخ النفسي الذي ألم بالمواطن الكويتي بعد هذه الكارثة، لن تمحوه قصائد وندوات.. فقصيدة الشعر لن تعيد أسيراً إلى بيته.. كما وأن وعود مسؤول لن تضمد جراح أسير في زنزانته.
لقد تضمنت اتفاقية وقف إطلاق النار في حرب الخليج على شروط من ضمنها الإفراج عن جميع الأسرى والمحتجزين.. وامتثل النظام في العراق لكافة الشروط.. فكان يتحرك كالآلة لكل ما يملى عليه.. رضخ لأكثر الشروط إهانة له كدولة ونظام.. وأعاد مسروقات وممتلكات كان قد أنكرها مسبقاً أمام العالم أجمع، عاد الذهب.. وأصبح المسؤولون يتفقدون ما عاد من مقتنيات الكويت الأثرية.. ويسترجعون من الذاكرة ما نقص منها ولم يعد.. في وقت لا نملك فيه صوراً ولا إحصائيات صحيحة لمقتنيات المجتمع البشرية والتي ما زالت تئن في سجون الظلم.
الشعب في أمريكا يطالب حكومته بأن يسترجع رفاة لأفراد فنوا منذ أمد طويل في حرب فيتنام.. لإعادة ما تبقى منهم كي يستريح في تراب وطنه.. ونعجز نحن عن المطالبة بعودة مئات الأفراد الأحياء.. أحقاً أننا لم ولن ندخر جهداً في مطالبتنا بأسرانا.. أم أننا استهلكنا كل الجهود.. فعاد الذهب.. ولم يعد الأسرى!!
وعلى الرغم من أن عودة الأسرى تأتي في سلم الأولويات.. إلا أن الجهود المبذولة لا تزال محدودة بالغة الضآلة.. فليس من المعقول أن نكون قادرين على أن نقنع المجتمع الدولي بعدالة قضيتنا.. ليتحرك العالم.. فتعود أرضنا.. ونواصل مطالبتنا للمجتمع الدولي بحقنا في حدود آمنة متعارف ومتفق عليها دولياً.. فتتحرك لجان ترسيم الحدود الدولية.. ويومئ النظام العراقي استجابة واعترافاً بتلك الحدود.. وتتوالى بعد ذلك مواقف إيجابية أخرى رضخ لها النظام العراقي تحت الضغط الدولي.. ونقف عاجزين أمام ما هو أبدى من أي تعويض أو مساومة.. أمام إهدار لكرامة الإنسان واستهتار بحريته.
لقد استطاع أبطال المقاومة الصامدون إبان فترة الغزو.. أن يخففوا الكثير من معاناة الأسرى.. مستغلين بذلك الثغرات العديدة الموجودة في جسد النظام العراقي.. فكان تزويدهم بالمال والملبس مستمراً برغم ظروف المخاطرة التي كانت قائمة آنذاك.. ولم يكن لأولئك الأبطال سوى عزمهم وإيمانهم بقدرتهم.. لم ينتظروا أن يُقر مجلس الأمن.. ولا المجتمع الدولي حقهم في مواساة أسراهم والتخفيف عنهم.. بل وافتدائهم أحياناً نظير مبالغ من المال. وفترت تلك المواساة بعد التحرير.. فالإعمار.. وإخماد النيران.. وغير ذلك من المهمات الصعبة.. أصبحت هي التي تتصدر سلم الأولويات الآن.. وانشغل المسؤولون بها عن قرابة ألفي أسير يشكلون نسبة لا يستهان بها قياساً بمجتمعنا الصغير.. وأصبح حقهم من المواساة أنشودة مصورة.. ولافتة يحملها طفل أمام السفارة الأمريكية!!
إن المجتمع الدولي الذي أزرنا في محنتنا.. لم يؤازرنا بسبب بيت شعر نظمناه.. أو ندوة فكر عقدناه.. لقد أزرنا إيماناً منه بعدالة القضية.. فأرسل على إثرها الطائرات والبوارج.
فمتى يرقى إيماننا بعدالة قضية أسرانا إلى بذل المزيد من الجهد حقاً.. أم أننا نسيناهم مع نشوة النصر.. وأضعناهم في أحد تعرجات الحياة.
